دون مقدمات أو فلسفات، نحن نعيش أزمة أخلاق حقيقية. المجتمع بات غريبًا عن سيرته الأولي. لن أرصد هنا حجم المظاهر التى تعكس عمق الأزمة، لكننى أتمسك بالفكرة والخطوط العريضة: هل أخلاقنا كمجتمع هى ما نتمناه؟ هل ما نراه يدعو للقلق أم للاطمئنان؟
>>>
الجميع يتحدث عن تراجع أخلاقي، والجميع يُحلل الداء ويُسهب فى وصف الدواء، لكننا جميعًا نقع فى الفخ ذاته: ننتقد الأوضاع، نردد «مفيش فايدة»، ونستدعى عبارات من قبيل «اتسع الخرق على الرتق»، ثم نُحمّل المسئولية للدولة، أو للمجتمع المدني، أو حتى لمؤامرات كونية. وحين يُطرح السؤال: ما الحل؟ ندخل فى نفق من التنظير والسفسطة، نكرر فيه الكلام ذاته، بالمفردات نفسها، دون أن يتغير شيء. بل إن التغيير الوحيد هو مزيد من التراجع!
>>>
إذن، ما السبب؟ لماذا لم نتقدم خطوة واحدة فى بناء منظومة قيم حقيقية؟ لماذا نهدر الجهد فى جدل لا يُثمر؟ ولماذا يختبئ كل منا خلف عبارات فضفاضة، محاولاً التنصل من مسئوليته وإلقاء العبء على غيره؟ بل الأدهى أن كل طرف يهاجم الآخر، دون أن يقبل مساحة نقاش تُفضى إلى حوار حقيقي.
>>>
وهنا، يفرض السؤال نفسه: من المسئول عن إعادة بناء القاعدة الأخلاقية؟ هل هو الفرد أم الدولة أم المؤسسات؟ والإجابة الصادقة: الجميع مسئول. فلا أخلاق تُفرض من أعلى فقط، ولا تُبنى من أسفل وحده، بل هى معادلة مركبة تبدأ من الفرد، وتمر بالمؤسسات، وتُحكمها الدولة.
>>>
لكن كيف نبدأ؟ البداية ليست فى الشعارات، بل فى مشروع قومى واضح المعالم لإعادة إنتاج منظومة القيم. مشروع يحدد أدواته بدقة: تعليم يعيد الاعتبار للتربية قبل المعرفة، إعلام يرسخ القدوة بدل الإثارة، وخطاب دينى وثقافى يعيد التوازن بين الثوابت والمتغيرات. مشروع له تمويل واضح، وآليات تنفيذ، وأدوات متابعة ومحاسبة.
>>>
غير أن كل ذلك يظل ناقصًا بدون ركيزة أساسية: القانون. فكل القيم والمبادئ تحتاج إلى قواعد حاكمة تُنظمها، وتضمن تطبيقها. أزمتنا الحقيقية ليست فقط فى غياب الأخلاق، بل فى غياب تطبيق القانون، أو تطبيقه بشكل انتقائي. حين تغيب العدالة، تختلط الحقوق بالواجبات، وتتحول الساحة إلى صراع مفتوح.
>>>
ما كان لهذا المشهد أن يتفاقم لو كان القانون يُطبق على الجميع، دون استثناء، وفى كل الأوقات. فالقانون هو الحارس الأول للأخلاق، وهو الذى يمنحها القوة والهيبة. أما حين يضعف، تتآكل القيم، وتضيع الحدود.
>>>
من هنا، أرى أن ما نحتاجه ليس مجرد حديث عن الأخلاق، بل «كرابيج أخلاق» حقيقية؛ منظومة ردع عادلة، واضحة، لا تعرف المجاملة ولا الانتقائية. لكن السؤال الأهم: من يمسك بهذه الكرابيج؟ ومن يضمن ألا تتحول إلى أداة بطش؟
>>>
الإجابة تكمن فى دولة القانون، ومجتمع واعٍ، ومؤسسات مسئولة. حين تتكامل هذه العناصر، يمكن أن تعود الأخلاق إلى موقعها الطبيعي، لاكشعار يُردد، بل كمنهج حياة يُمارس.









