إن الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط تزامن معه تصريح صادم من مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أُنشئت على إثر مبادرة الرئيس الأمريكي أيزنهاور عام 1953 “الذرة من أجل السلام”، حيث صرح “جروسي” في 22 مارس 2026 بأن الحرب التقليدية لا يمكنها إنهاء القدرات النووية الإيرانية بشكل كامل، وأن التدمير الشامل لبرنامجها النووي لن يحدث إلا في إطار حرب نووية.
يُعتبر الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني من أهم الأحداث التي واجهت وتتحدى استقرار منطقة الشرق الأوسط، فبعد جولتين من المواجهات العسكرية المحتدمة بينهما، لم يثبت جلياً من المنتصر ومن المهزوم، فجميع الأطراف أنهكتهم العمليات الحربية على مدار 39 يوماً من التصعيد. إذ نرى الخسائر الشديدة للجانب الأمريكي متمثلة في إسقاط طائرات شبحية من الجيل الخامس لطالما تغنت بقدراتها القوات الجوية الأمريكية، وسقوط ما يربو على 1000 جريح وقتيل من القوات الأمريكية كما صرح بذلك جون فيلان، وزير البحرية المقال أو المجبر على الاستقالة (الجدير بالذكر أنه سبقه إقالة قائد القوات البرية جون راندي، ثم مدير الاستخبارات العسكرية وآخرين، مما يعكس خللاً في المنظومة العسكرية الأمريكية)، بالإضافة إلى تدمير القواعد الأمريكية بالمنطقة.
وبالرغم من جهوزية الحشود العسكرية الأمريكية الضخمة بثلاث حاملات طائرات مع القطع البحرية المرافقة وعشرات الألوف من الجنود، والطوق البحري الأمريكي الخانق على إيران، نرى أن حرب المفاوضات والمقترحات والتهديدات تحت مظلة الحشد العسكري لم تحسم الصراع، وانتهت فترة وقف إطلاق النار وتمديداتها. وحيث قرب انتهاء صلاحيات الإدارة الأمريكية (60 يوماً) لشن عمليات عسكرية دون الرجوع والإذن المسبق من الكونجرس، تخللت فترة التحشيد والجهوزية لبدء جولة قد تكون فاصلة، تصريحات وتسريبات استخباراتية متعمدة عبر لسان ضابط سابق بالاستخبارات المركزية “لاري جونسون” في 18 أبريل، تشير إلى رغبة الإدارة الأمريكية في استخدام السلاح النووي التكتيكي لإحداث نصر سريع دون مزيد من الخسائر الأمريكية المحتملة من تنفيذ أي عملية برية، وهو الأمر الذي اعترض عليه رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين.
ويتزامن ذلك مع تصريحات “ولسكوف”، مدير معهد العلوم والأمن الدولي، أن إيران على مسافة أسبوع للحصول على السلاح النووي، وكذلك تصريحات بأن الوكالة الدولية رصدت فيما مضى يورانيوم مخصباً بنسبة 83.7% في إيران. وتبقى حالة “اللا حرب واللا سلم” هي المسيطرة على المشهد حتى الآن، وقد تكون خطة خداع استراتيجي للإيقاع بالخصم في ضربة خاطفة أو إيصاله لحافة الانهيار والاستسلام مع الإبقاء على نافذة حرب المفاوضات الدبلوماسية.
وعلى الجانب الآخر في إسرائيل، ومع خسائرها الجمة وتدمير مواقع حيوية وعسكرية بوابل من الصواريخ البالستية والفرط صوتية والدرونات، مما أنهك اقتصادها ومخزون سلاحها لاستمرار المواجهة العسكرية، واكتشاف وجود اختراق أمني واستخباراتي بين صفوف جنودها بقاعدة “تل نوف” الجوية من قبل إيران، واستهداف محيط مفاعل “ديمونة” الذي مكن إسرائيل من امتلاك ترسانة نووية تقدر بـ 90-200 رأس حربي نووي حسب ما جاء في تسريبات “موردخاي فانونو”، أحد العاملين المنشقين بالمنشأة لصحيفة “الصنداي تايمز” الإنجليزية آنذاك عام 1986 (لطالما راودتني الشكوك في أن مسرحية فانونو كانت صناعة استخباراتية لبث روح الغموض والرعب والردع النووي الإقليمي والدولي، وأن إسرائيل قوة نووية لا يمكن مواجهتها)، وتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام واتحاد العلماء الأمريكيين. وها هي الآن تصرح بجهوزيتها لخوض جولة فاصلة بالتنسيق مع الولايات المتحدة قطعاً، بعد حصولها على جسر جوي من الأسلحة وطائرات التزود بالوقود ورسم خارطة من الأهداف الجديدة للتدمير الشامل لإيران. هذا مع مخططها المستقبلي كي تتفرغ لاستكمال التجهيزات اللازمة للمواجهة المحتملة مع دول أخرى مثل مصر وتركيا وباكستان، ناهيك عما تحدثه من تدمير في لبنان.
وعلى الطرف الآخر من الصراع، نجد إيران التي تضررت بنيتها التحتية الصناعية والنووية والعسكرية بقدر كبير، حيث استُهدفت مصانع الحديد والصلب والمواقع النووية في أراك وأصفهان ونطنز، وتدمير أعداد كبيرة من منصات الصواريخ البالستية مما يرجعها لعقود للتعافي، إلا أنها استغلت أيضاً الهدنة لإصلاح ما يمكن إصلاحه والتجهيز لخوض جولة “أكون أو لا أكون” بالتنسيق مع كل من روسيا والصين وأيضاً مع حلفائها في لبنان والعراق واليمن. كما أن غنائم إيران من المقذوفات الأمريكية التي لم تنفجر ووقعت في يد الحرس الثوري يُطبق عليها مفهوم الهندسة العكسية لاستنساخها لتصبح ضمن ترسانتها المستقبلية من الأسلحة، إذ نراها استخدمت الطائرة F-5 الأمريكية في هذا الصراع.
وبالتزامن مع جولات المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع الولايات المتحدة، وزيارات لموسكو ومسقط والتواصل مع الصين بغية الوصول لأكبر قدر من المكتسبات بورقة المقايضة باليورانيوم المخصب بنسبة 60%، كما نراها تهدد وتمسك بعصب وشريان نفط العالم لإحداث أزمة إقليمية وعالمية في إمدادات الطاقة متمثلة في النفط والغاز والمشتقات الصناعية المصاحبة، بالإضافة إلى التهديد بقطع عصب وشرايين الاتصالات والمعاملات والتجارة الإلكترونية المارة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.
ويمكن أن نختتم هذا التحليل بوجوب الإشارة إلى أنه من يملك طعامه وعلمه وسلاحه واستقلاله، هو من يملك مقومات البقاء بين الأمم عزيزاً.








