نظّمت مكتبة الإسكندرية، بالتعاون مع سفارة جمهورية كرواتيا بالقاهرة، اليوم، ندوة بعنوان “إحياء الأصداء: ترميم المطبوعات المبكرة”، وذلك في إطار إهداء رسمي مقدّم من مكتب رئيس جمهورية كرواتيا إلى المكتبة، يتمثل في نسخة طبق الأصل من كتاب “Misal Po Zakonu Rimskog Dvora” المطبوع عام 1483.
وتخلل الفعالية افتتاح معرض فني للوحات الفنان الكرواتي يولييه كلوفيتش، بعنوان “حلم عصر النهضة الكرواتي بمصر”، بمشاركة وفد رسمي رفيع المستوى وعدد من الخبراء والمتخصصين في مجالات الحفظ والترميم.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، أن التراث يمثل ذاكرة الشعوب التي ينبغي الحفاظ عليها واستعادتها باعتبارها وسيلة تواصل بين الأجيال، مشيرًا إلى أن عمليات الترميم تمنح المخطوطات والكتب النادرة فرصة جديدة للاستمرار والبقاء.
وأوضح زايد الدور الذي يقوم به مركز المخطوطات بالمكتبة في توثيق ودراسة التراث العربي والإسلامي، مستعرضًا إنجازات معمل الترميم، الذي حصل على جائزة أفضل معمل ترميم في مصر عام 2015 من اللجنة الوطنية للمجلس الدولي للمتاحف، إضافة إلى مساهماته في ترميم مجموعات دولية مهمة، من بينها آثار إسلامية في دولة الكويت، ومخطوطات بطريركية الروم الأرثوذكس، ووثائق تاريخية خاصة بقناة السويس.
من جانبه، أعرب الدكتور أورسات ميلينيتش، رئيس ديوان رئيس جمهورية كرواتيا، عن اعتزازه بتقديم هذا الإهداء الذي يُعد أحد الرموز الأساسية للهوية الثقافية الكرواتية، باعتباره أول كتاب طقسي مطبوع في أوروبا بلغة غير لاتينية.
واستعرض ميلينيتش عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، مشيرًا إلى تعيين أول قنصل كرواتي في الإسكندرية عام 1515، وهو “هيرونيم” من جمهورية دوبروفنيك، الأمر الذي جعل المدينة مصدر إلهام للشعراء الكروات منذ القرن السادس عشر.
كما شمل الإهداء الكرواتي ثلاث مطبوعات فنية صادرة عن المعهد الكرواتي للترميم لدعم مقتنيات مكتبة الإسكندرية، فيما قدّم الدكتور أحمد زايد للوفد الكرواتي نسخة تذكارية من “حجر رشيد” تقديرًا لهذه الزيارة.
وفي السياق ذاته، تناول نيفين بيليتشاريتش، مستشار رئيس جمهورية كرواتيا للسياسة الخارجية والأوروبية، الجذور التاريخية للعلاقات الثقافية، مشيرًا إلى رحلات الحجاج الكروات إلى الإسكندرية ودير القديس مينا منذ العصور الوسطى، إضافة إلى حضور المدينة في الأدب الكرواتي عبر ترجمة روايات الإسكندر الأكبر.
كما أشار إلى استمرار التعاون الدبلوماسي بين البلدين، لافتًا إلى الزيارة المرتقبة لقداسة البابا تواضروس الثاني إلى كرواتيا ولقائه الرئيس الكرواتي زوران ميلانوفيتش.
وشهدت الفعالية حضور كل من الدكتور أورسات ميلينيتش، وقرينته السيدة مورانا ميلينيتش، والسفير توميسلاف بوشنياك، سفير كرواتيا لدى مصر، ونيفين بيليتشاريتش، والدكتور دانييل رافائيليتش، نائب رئيس البعثة الدبلوماسية، وعدد من المسؤولين والخبراء.
وفي إطار المعرض المصاحب، استعرض الدكتور دانيال رافايليتش أعمال الفنان يولييه كلوفيتش (1498–1578)، الملقب بـ”مايكل أنجلو المنمنمات”، والذي يُعد من أوائل الفنانين الكروات الذين دمجوا عناصر من العمارة والآثار المصرية القديمة، مثل الأهرامات والمسلات، في أعماله خلال عصر النهضة الأوروبية.
وعقب الفعالية، عُقدت ندوة تقنية أدارها الدكتور حسين سليمان، رئيس قسم الدراسات والأنشطة الأكاديمية بالمكتبة، تناولت أحدث أساليب الترميم والحفظ.
واستعرض محمد سمير، رئيس فريق الترميم بالمكتبة، المنهجية العلمية لترميم 87 مخطوطًا يونانيًا نادرًا من مقتنيات بطريركية الروم الأرثوذكس، موضحًا تقنيات معالجة تدهور المواد الجلدية والتحلل الكيميائي للأحبار مع الحفاظ على أصالة المخطوطات.
كما عرضت إسكرا كارنيس فيدوفيتش، ممثلة المعهد الكرواتي للترميم، استراتيجيات حماية التراث في حالات الأزمات، فيما تحدث الدكتور حسام الديب عن ابتكار مكتبة الإسكندرية لورق ترميم مصري الصنع من مخلفات القطن، أثبت تفوقه في الاختبارات الدولية مقارنة بالورق الياباني من حيث المتانة والاستدامة.
واستعرضت مارتينا باجاتين تجربة ترميم بردية مصرية من العصر البطلمي محفوظة في زغرب، فيما اختتمت الدكتورة فيدا فوكويا الجلسة بشرح الخصائص اللغوية والجمالية للخط “الغلاغولي” المستخدم في مطبوعات القرن الخامس عشر.
ويُعد كتاب “Missale Romanum Glagolitice” (1483) أحد أهم الإصدارات التاريخية، كونه أول كتاب مطبوع باللغة الكرواتية الكنسية وبخط غير لاتيني، ويمثل علامة فارقة في تاريخ الطباعة الأوروبية المبكرة، إذ طُبع بعد 28 عامًا فقط من إنجيل جوتنبرج.
ويرجّح الباحثون أن مكان طباعته كان مدينة البندقية، استنادًا إلى الدراسات الطباعية والمقارنات الفنية، رغم عدم وجود دليل قاطع حتى الآن.









