ليست الخصوصية ترفًا اجتماعيًا، ولا رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل هى أحد أعمدة الاستقرار الإنسانى. كل بيت فى هذا العالم، مهما كان بسيطًا أو متواضعًا، يملك مساحة مغلقة على ذاته، مساحة لا تُفتح إلا لأصحابها، ولا تُروى تفاصيلها إلا لمن يثق بهم أهلها. داخل هذه الجدران تُصنع العلاقات، وتُدار الخلافات، وتُخفى نقاط الضعف، ليس خوفًا من الحقيقة، بل حفاظًا على التماسك. فالبيت الذى تُكشف أسراره على الملأ، يفقد هيبته أولًا، ثم تماسكه ثانيًا، ثم قدرته على الاستمرار ثالثًا.
>>>
هذه القاعدة البديهية فى عالم الأسر، هى ذاتها التى تحكم عالم الدول، ولكن بدرجة أكثر تعقيدًا وخطورة. فكما أن للبيوت أسرارًا، فإن للجيوش أسرارًا، بل إن أسرار الجيوش ليست مجرد تفاصيل عابرة، وإنما هى مسألة حياة أو موت، بقاء أو فناء. الجيوش، خاصة تلك التى تمتلك تاريخًا وعقيدة راسخة، تبنى قوتها ليس فقط على السلاح والعتاد، بل على ما تخفيه من معلومات، وعلى قدرتها فى إدارة الغموض بقدر ما تدير الوضوح.
>>>
الفارق هنا جوهرى. المتطفل على أسرار البيوت قد يكون فضوليًا، أو ناقل نميمة، أو باحثًا عن إثارة رخيصة، لكن المتسلل إلى أسرار الجيوش ليس مجرد فضولى، بل هو فى أغلب الأحوال طرف فى معادلة أخطر: عميل، أو أداة، أو جسر تعبر من خلاله نوايا معادية. فالمعلومة العسكرية، مهما بدت صغيرة، قد تكون خيطًا يُنسج منه سيناريو كامل لاستهداف دولة، أو إضعاف مؤسسة، أو تشويه صورة.
>>>
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة. نحن نتفهم، بل ونعرف، أن أجهزة الاستخبارات حول العالم تعمل ليل نهار لاختراق جيوش الآخرين، فهذا جزء من لعبة الأمم. لكن ما لا يمكن فهمه أو قبوله، أن يتحول بعض المنتسبين للوطن إلى أدوات للقيام بنفس المهمة، يمارسون دور «المعارض» أو «الخبير» و«العارف ببواطن الأمور»، وهم فى الحقيقة يخلطون الأوراق ويعكرون صفو المياه حتى ولو كانت فى نهر يجرى
>>>
ليست المشكلة فى السؤال، ولا فى الرغبة فى الفهم، فالمجتمعات الحية تسأل وتناقش وتُحلل. لكن الكارثة تبدأ حين يتحول السؤال إلى تشكيك، والتحليل إلى استنتاجات بلا أساس، والحديث إلى منصة لنشر ما لا يجب نشره، أو الإيحاء بما لا يجوز الإيحاء به. هنا لا نتحدث عن حرية رأى، بل عن عبث بأمن، ولا عن نقد، بل عن ثغرة.
>>>
إن الجيوش لا تُدار على مواقع التواصل، ولا تُقاس قوتها بتغريدة أو منشور، ولا تُكشف خططها فى نقاشات عابرة. هناك مؤسسات، وهناك تقديرات موقف، وهناك عقول تعمل فى صمت، تدرك ما تقول وما تخفى، وتعرف متى تعلن ومتى تصمت. ومن لا يدرك هذه الحقيقة، يقع – بقصد أو دون قصد – فى فخ خدمة من يتربصون.
>>>
الحفاظ على أسرار البيوت فضيلة، لكن الحفاظ على أسرار الجيوش فريضة. الأولى تحمى أسرة، والثانية تحمى وطنًا. الأولى إن كُشفت اهتزت علاقة، أما الثانية إن كُشفت اهتز كيان. وبين الفضيلة والفريضة، مسافة يجب أن يدركها كل من يكتب أو يتحدث أو يحلل.
>>>
وفى زمن الفوضى الرقمية، حيث تختلط الحقيقة بالوهم، وتتصدر الأصوات العالية على حساب العقول الهادئة، يصبح الوعى هو خط الدفاع الأول. وعى يدرك أن ما لا نعرفه ليس بالضرورة ضعفًا، وأن ما يُخفى قد يكون مصدر قوة، وأن الصمت أحيانًا ليس غيابًا، بل إستراتيجية.
>>>
فالبيوت أسرار.. والجيوش كذلك. ومن لا يحترم هذه القاعدة، لا يهدد غيره فقط، بل يهدد نفسه، ويضع وطنه على حافة سؤال لا يجب أن يُطرح.









