لماذا يعد وعى المصريين حجر الزاوية فى الأمن القومي؟
فى عالم لم يعد يعترف بالحدود الجغرافية التقليدية كحائل وحيد ضد التهديدات، وفى ظل إقليمٍ يموج بالاضطرابات والتحولات العنيفة، لم يعد مفهوم «الأمن القومي» مقتصرا على ترسانة الأسلحة أو كفاءة الأجهزة الاستخباراتية فحسب. لقد انتقل مركز ثقل المعركة من الميدان إلى العقل، ومن الحدود إلى الوعي. بالنسبة للدولة المصرية، التى تمثل قلب الشرق الأوسط وناظم استقراره، يصبح وعى المواطن بالأمن القومى ليس مجرد رفاهية فكرية، بل هو ضرورة وجودية وحائط الصد الأخير أمام محاولات التفتيت والهدم من الداخل.
لقد تجاوز الأمن القومى فى العصر الحديث فكرة حماية الأرض من الغزو العسكري. نحن الآن أمام أمن شامل يتضمن أمورا كثيرة.
ومنها الأمن المعلوماتى والسيبراني، حيث تشن حروب الجيل الرابع والخامس عبر منصات التواصل الاجتماعي.
والأمن الاقتصادى والمائى المرتبط بقدرة الدولة على تأمين مواردها الأساسية وسط ضغوط عالمية وإقليمية.
والأمن المجتمعى وهو الحفاظ على نسيج المجتمع من التفتت الطائفى أو الفكري.
و فى هذا السياق يصبح المواطن المصرى هو الجندى المتطوع الذى يمتلك سلاحا واحدا فتاكاً، وهو الوعي. فإذا غاب الوعي، تحول المواطن دون دراية إلى أداة لترويج الشائعات أو زعزعة الثقة فى مؤسسات دولته.
وتعتمد حروب الجيل الرابع بشكل أساسى على صناعة الجهل أو تزييف الوعي. وتستهدف هذه الحروب ضرب الروح المعنوية للمصريين، وتصدير الإحباط، وتشكيكهم فى قدرات دولتهم ومستقبلهم. هنا تبرز ضرورة الوعي؛ فالمواطن الواعى هو الذى يستطيع التمييز بين النقد البناء الذى يهدف للإصلاح، وبين الدعاية السوداء التى تهدف لهدم الكيان.
إن وعى المصريين بطبيعة التهديدات التى تحيط بحدودهم الاستراتيجية سواء من الاتجاه الاستراتيجى الغربى «ليبيا»، أو الجنوبى «السودان وأزمة السد»، أو الشمالى الشرقى «فلسطين» يجعل الجبهة الداخلية متماسكة خلف القرار السياسي، مما يمنح الدولة قوة تفاوضية هائلة فى المحافل الدولية.
و يمر العالم بأزمات اقتصادية طاحنة، ومصر ليست بمعزل عنها. الوعى بالأمن القومى هنا يتجلى فى فهم المواطن لتعقيدات المشهد الاقتصادى العالمي، والفرق بين الأزمات الهيكلية الناتجة عن صراعات دولية وبين التحديات المحلية. المواطن الواعى يدرك أن الحفاظ على استقرار العملة، وترشيد الاستهلاك، ودعم الصناعة الوطنية، ليست مجرد شعارات، بل هى خطوات عملية لتحصين القرار الوطنى من التبعية للخارج. و لا يمكن أن يولد الوعى من فراغ، بل هو نتاج تضافر مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. ويجب أن تتضمن المناهج الدراسية مادة الأمن القومى بمفهومها المبسط، ليعرف الطالب منذ الصغر قيمة الدولة ومؤسساتها.
و الإعلام عليه مسئولية وطنية فى تفنيد الأكاذيب بالحقائق، والابتعاد عن التريند الزائف لصالح القضايا المصيرية. الإعلام الواعى هو الذى يبنى جسور الثقة بين المواطن وصانع القرار.
إن مصر محاطة بحزام من النار. استيعاب المصريين لخطورة ما يحدث حولنا يفسر لماذا تتحمل الدولة أعباءً باهظة لتحديث جيشها وتنويع مصادر سلاحها. إن فهم المواطن لضرورة وجود قوة رادعة يقطع الطريق على المشككين فى أولويات الإنفاق القومي. فالأمن هو القوة الدافعة للتنمية، ولا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار بلا وعى شعبى يساند هذه الرؤية. إن الأمن القومى المصرى ليس مسئولية القوات المسلحة والشرطة فحسب، بل هو عقد اجتماعى يشترك فيه كل من يحمل الهوية المصرية. إن وعى المصريين هو الوقود الذى تستمد منه الدولة قدرتها على الصمود أمام الضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية.
لقد أثبت التاريخ أن مصر لا تهزم من الخارج طالما كانت جبهتها الداخلية متحدة وواعية. ويظل الاستثمار فى عقل المواطن هو الاستثمار الأسمى والأكثر أهمية لمستقبل الوطن. إن الوعى ليس مجرد معرفة المعلومة، بل هو القدرة على حماية تلك المعلومة واستخدامها فى خدمة استقرار مصر ورفعتها وسط عالم لا يرحم الضعفاء أو الغافلين.
«إن الوعى هو المعركة الكبرى فى القرن الحادى والعشرين، ومن يمتلك وعى شعبه، يمتلك مفاتيح النصر والبقاء.
وللحديث بقية









