مكالمة من صديق جاءتنى بتفاصيل كانت كفيلة بأن تقلب مزاجى وتفرض على حالة من الإحباط والضيق خاصة أنه عزز لدى هذا الشعور بتفاصيله المزعجة التى تجبرنى على تأمل حالى بنوع من التذمر وعدم الرضا من خلال مقارنات عقدها مع أشخاص على حد وصفه يفتقرون للكثير من إمكانياتى لكنهم استطاعوا تحقيق ما لم أحققه بسبب تملقهم ونفاقهم واقترابهم من دوائر صنع القرار كما يحلل هو المشهد.
لا أنكر أن ما قاله أحدث لى نوعاً من الارتباك وجعل عقلى يشرد لمجموعة من الأفكار شكلت صورة قاتمة فى المشهد وجدت نفسى معها أسأل الله أن ينجينى من الهم والحزن وينعم على بالرضا بحال أراه نعمة تستحق الحمد على عكس صديقى الذى دائماً ما يعقد مقارنات بينه وبين غيره ليدخل نفسه فى نفق مظلم لا طائل له به .
سرحت بعقلى فى حال الأشخاص الذين ذكرهم ووجدت أنه رغم الصخب الذى يعيشون فيه إلا أنهم يفتقدون ما يجعلهم سعداء وربما هم فى حالة تشبه هذا الصديق ولا ينعمون بالرضا على ما أتاهم الله من فضله وأبعدت عن عقلى فكرة أن البعض قد يحصل على ما لا يستحق لأننا لسنا أولياء على البشر ولا نعرف علاقتهم بالله فربما أحدهم يبر والديه بشكل نال معه دعوات استجاب لها الله ورزقهم من فضله أو أنهم يحسنون للمحتاجين فجزاهم الله خيراً ولا داعى أن نعزز مكتسباتهم فى الحياة بتملق أو نفاق فهذا قدرهم والقدر من صنع الخالق .
هذه القناعة التى توصلت إليها لم تأت بسهولة ولكن بعد جهاد كبير مع النفس لم يتوقف معه دعائى بأن يجنبنى الله ما يجعلنى لا أشعر بنعمه على وشحذت عقلى من أجل ذلك لأتذكر مجموعة من الأشخاص تكالبت عليهم الابتلاءات لكن يقينهم فى الله منحهم الصبر والجلد على تجاوز أى صعب وألهمهم الإرادة لتحدى كل مستحيل .
من هذه النماذج كانت السيدة العظيمة أمل جبر الله التى كانت اسماً على مسمى فقد كانت أملاً للكثيرين بعد أن جبر الله أوجاعها عندما رزقت بطفلة من ذوى الاحتياجات الخاصة بسبب خطأ طبى وتخلى عنها الجميع بما فيهم والد ابنتها لتجد نفسها تواجه تحديات كثيرة فى إقناع الجميع بالتعامل مع ابنتها على اعتبار أنها طفلة عادية لها الحق فى الحياة ورغم الصعوبات لكن يقينها بالله كان سلاحها فى تحقيق المعجزات لتصبح صغيرتها سدرة بطلة من أبطال السباحة البارالمبية ولعبة البوتشيا ..فعلت ذلك وهى لا تملك من الدنيا إلا الإرادة فى الدفاع عن حق ابنتها فى الحياة.. تحملت كل صعب وهى تحمل صغيرتها على ظهرها بابتسامة رسمت حالة غريبة من الرضا رغم الوجع زرعت داخلها اليقين فى قدرة الله وهى تواجه جملة «مستحيل ابنتك تمشي» بقوله تعالى وفوق «كل ذى علم عليم» حتى كتب لها المشي.
ومن قلب المعاناة كانت رحمة الله بالسيدة إيمان أمين التى زرعت بداخلى إيماناً بأن الابتلاء لا يصيب إلا العبد الصالح ليختبر الله صبره ورضاه فى الحياة وحتماً سيكون حسن الجزاء فى دار الحق.
إيمان رزقت بطفلة بلا فك وبأطراف شبه معدومة أطلقت عليها رحمة اسماً لتكون سبيلها فى رحمة الله.. لم تشك ولم تبك فقط اصطحبت صغيرتها فى رحلة تعافى وتعلمت معها مجموعة من الحرف صنعت مستقبلهما فى مشروع صغير.
شاهدت رحمة وهى تجلس فى إحدى الجمعيات التى تعمل تحت مظلة التضامن الاجتماعى تحتضن آلة موسيقية بأطرافها المعدومة تعزف لحن الرضا لتنير بصيرتنا بنعم المولى عز وجل فالحمد لله على كل حال.









