كنت أتصور أنه بصدور التعديلات بقانون الإيجار القديم وإعادة كثير من الحقوق المتراكمة لأصحاب العقارات، سوف يعيد التوازن والاعتدال فى أسعار الوحدات السكنية سواء فى إطار التمليك أو المعروض وفقاً لقانون الإيجار الجديد الصادر فى عام 1996.
ولكن من الواضح أن المسألة برمتها تخضع لاعتبارات أخرى لا تتعلق بقانون العرض والطلب كما هو فى كل بلاد العالم، وأن الجشع والطمع يسيطران على الجميع سواء السادة المطورون العقاريون أو أصحاب العقارات القديمة، الذين استردوا كثيراً من وحداتهم السكنية سواء قبل أو بعد بدء تطبيق القانون العام الماضى لظروف وفاة بعض المستأجرين القدامى أو عدم شغلهم لوحداتهم لامتلاكهم شققاً أخرى أو غير ذلك من اعتبارات قانونية، كنت أعتقد انها أحدثت وفرة فى العروض من شأنها أن تخفض الأسعار أو فى أسوأ الظروف تظل ثابتة، لاسيما مع بدء عودة كثير من الاخوة الأشقاء اللاجئين الذين استضافتهم مصر خلال السنوات الماضية بسبب ظروف الحرب والنزاعات المسلحة فى بلادهم.
ولكن يبدو أن ما تخيلته لم يخرج عن إطار حُسن النية، وبعيداً عما يحدث على أرض الواقع.. ولا أجد له وصفاً سوى فقدان المسئولية المجتمعية من السادة المطورين العقاريين أو الجشع من أصحاب العقارات، الذين يرفضون التنازل عن أسعارهم الفلكية، رغم حالة الركود التى تسيطر على الأسواق نتيجة للظروف الاقتصادية التى خلفتها الأوضاع السياسية فى المنطقة، أو العُقد النفسية لدى أصحاب العقارات القديمة الذين ظلت أملاكهم وثرواتهم مجمدة منذ ستينيات القرن الماضى بسبب ثبات القيمة الإيجارية، وبدأوا الآن يعوضون خسارة السنين الماضية فى مكاسب طائلة وغير منطقية فيما يطرحونه من شقق عادت إليهم وبدأوا ينهلون من مكاسبها الهائلة، وفقاً لقانون الإيجار الجديد الذى يتيح لهم تحرير عقود إذعان مع مستأجرين بؤساء لا يملكون حيلة أو وسيلة!
>>>
فعلى سبيل المثال بالنسبة للسادة المطورين العقاريين، نجد أن أسعار الوحدات السكنية المطروحة للتمليك قفزت خلال العامين الأخيرين بشكل غير مسبوق ولا تتناسب مع التكلفة والجدوى الاقتصادية ومعدل الربح المعقول، الذى من شأنه أن يُحدث رواجاً فى الأسواق ويلبى الاحتياجات المجتمعية وتحقيق السلام الاجتماعى.
المفترض أن السادة أصحاب رءوس الأموال هم أول من يجب أن يكونوا معنيين به، ولا يلقون المسئولية كلها على كاهل الدولة، التى أعادت الأمن والاستقرار للبلاد بعد فترات طويلة من الفوضى التى أعقبت أحداث يناير 2011 وكادت تهدد مصالح الجميع سواء مستثمرين أو مواطنين.. وفى نفس الوقت تحاول تهدئة السوق من خلال مشروع الإسكان الاجتماعى، الذى تدعمه إلى حد ما.
أندهش الآن وأنا أتابع أسعار الوحدات السكنية المطروحة للتمليك.. حيث لا يقل سعر الوحدة التى لا تزيد مساحتها على 100 أو 120 متراً على نحو 4 ملايين جنيه فى المتوسط، مطلوب من المشترى وقد يكون شاباً مقبلاً على الزواج أن يسدد ربع الثمن فوراً والباقى على 5 سنوات محملاً بأعباء القرض سواء كان تمويلاً عقارياً أو الشركة صاحبة المشروع، وبحيث صار لا يقل القسط الشهرى خلال هذه المدة عن 50 أو 60 ألف جنيه.
أما السادة أصحاب العمارات القديمة التى عادت إليهم شققهم، فإنهم يطرحون الآن الوحدة السكنية التى كانت مؤجرة فى منطقة شبه شعبية بخمسة أو سبعة جنيهات بنحو من 8 إلى 10 آلاف جنيه شهرياً.. أما الأحياء الراقية، فيتراوح تأجير مثل هذه الوحدات بأسعار تتراوح ما بين 15 ألف جنيه إلى 20 ألف جنيه حتى 60 ألف جنيه شهرياً.
>>>
بالتأكيد، لا أطالب بتدخل الدولة فى هذا الأمر لكى تحدد حداً أقصى ألف جنيه يزداد 15 ٪ سنوياً كما تقرر فى قانون الإيجار الجديد.. ولكن أعتقد أن مسارعة الحكومة ووزارة الإسكان فى طرح وحدات للتأجير أو ما يسمى بـ«التأجير التمليكى» يمكن أن يحد من حالة الجشع التى تسيطر الآن على السوق العقارى.. وكان الله فى عون الشباب الباحث عن شقة فى الدنيا.. ولا يجب أن نتركه فريسة لأهل الشر، الذين قد يعدونه بقصر فى الجنة.









