حصلت على درجة الدكتوراه من كلية الحقوق جامعة الإسكندرية وكنت آن ذاك أصغر حاصلة على الدكتوراه بمصر حيث كانت رسالتى بعنوان «موضوع الحماية الجنائية للمصريين والمصالح المصرية فى الخارج» ، ولكن شتان ما بين أفعال المصريين فى الخارج وبين لاجئين الداخل.. مصر لطالما كانت عبر تاريخها الطويل ملاذا آمنا لكل من اضطرته الحروب للخروج عن بلده أو ضاقت به الأوطان ففتحت أبوابها دون تردد وقدمت نموذجا إنسانيا نادرا فى التعامل مع اللاجئين حيث لم تفرض عليهم عزلة قسرية ولم تحرمهم من حق العمل أو التعليم أو الاندماج فى المجتمع. هذا النهج يعكس عمقا حضاريا متجذرا فى الشخصية المصرية لكنه فى الوقت ذاته يضع تحديات واقعية لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها بعاطفة مجردة ، ففى الفترة الأخيرة تصاعدت حالة الجدل فى الشارع المصرى بعد انتشار مقاطع مصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعى تظهر بعض التجاوزات والسلوكيات العنيفة المنسوبة إلى أفراد من اللاجئين من مشاجرات فى الشوارع إلى أعمال ترويع للمواطنين فى بعض المناطق. هذه الوقائع بغض النظر عن حجمها الحقيقى أو مدى تكرارها خلقت حالة من القلق المشروع خاصة فى مجتمع اعتاد على الاستقرار النسبى والانضباط العام ، الطرح الواقعى يفرض علينا التمييز بوضوح بين الغالبية الملتزمة من اللاجئين الذين جاءوا بحثا عن الأمان ويعيشون فى إطار القانون وبين قلة تخرج عن هذا الإطار لكن التجاهل أخطر. ومن أعتقادى الشخصى أن الدولة المصرية لن تسمح بتحول الضيافة إلى ثغرة ولن تقبل بأن يصبح التعاطف بابا للفوضى ، فالأمر لا يتوقف عند البعد الأمنى المباشر فقط فلربما يمتد إلى تأثيرات أوسع تمس الأمن القومى بمفهومه الشامل . عموما لنكن صادقين مع أنفسنا فالزيادة الكبيرة وغير المنظمة فى أعداد اللاجئين تفرض ضغوطا متزايدة على الأجهزة الأمنية التى تجد نفسها مطالبة بمتابعة كثافات سكانية جديدة بعضها يفتقر إلى بيانات دقيقة أو رقابة كافية ، كما أن وجود تجمعات مغلقة أو مناطق ذات كثافة عالية من جنسيات معينة قد يخلق بيئات خصبة للاحتكاكات أو حتى استغلالها فى أنشطة غير مشروعة إذا لم يتم التعامل معها بوعى وحزم ودقة . أما على مستوى البنية التحتية فإن الضغط أصبح واضحا فى قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والمرافق، وأنا هنا لست ممن يدعون إلى الإقصاء ولكن أنا هنا لأناشد متخذى القرار إلى قراءة واقعية لضرورة إدارة الملف بشكل أكثر تنظيما بما يحقق التوازن بين البعد الإنسانى وحقوق الدولة ومواطنيها. وفى هذا السياق تبرز الموازنة وأن احترام القانون والعادات والنظام العام ليس فضلا ولكن التزاما أساسيا لاستمرار تلك العلاقة ، فمن جاء طالبا الأمان عليه أن يكون جزءا من منظومة الحفاظ عليه لا عنصرا يهدده أو يربك استقراره ، فالتحدى الحقيقى يكمن فى كيفية إدارة هذا الوجود وتحييد افعاله . والمطلوب هو فرض هيبة القانون دون تمييز إلى جانب خطاب إعلامى متزن، كما أن تعزيز برامج التوعية للاجئين بحقوقهم وواجباتهم أصبح ضرورة فى الوقت الحالى وليس رفاهية ، وستظل مصر بلدا كبيرة بقيمها قوية بمؤسساتها وقادرة على تحقيق المعادلة الصعبة من يحترم هذا البلد مرحب به ومن يخرج عن قواعده سيجد أمامه دولة تعرف جيدا كيف تحمى أمنها وتصون استقرارها.. و«يا غريب كن أديباً».









