رغم كل التحديات والصعاب التي خلفتها الأزمة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط حالياً، إلا أن في وسط الأزمة ظهرت ملامح تفاؤل وشعور بالفخر تؤكده حقائق واضحة وتظهره مبادئ راسخة لدولة أثبتت بقيادتها أنها ستظل العنصر الأهم في ضبط الإيقاع وتحقيق الاستقرار في المنطقة. إنها مصر التي يؤكد القاصي والداني، العدو قبل الصديق، أنها رمانة الميزان، وصوت العقل والحكمة، وصاحبة الرؤية التي تثبت الأحداث والملمات مدى صحتها.
شهادة جديدة على أهمية الدور الذي تلعبه مصر في منطقة الشرق الأوسط جاءت على لسان ستيف لوتس، نائب الرئيس لشؤون الشرق الأوسط في غرفة التجارة الأمريكية بواشنطن، خلال لقائه مع الوفد الصحفي المرافق لبعثة “طرق الأبواب” التي تنظمها الغرفة بمصر برئاسة عمر مهنا ومشاركة 20 عضواً يمثلون عدداً من القطاعات الاقتصادية المختلفة.
يقول ستيف إن الولايات المتحدة تدرك مدى أهمية الدور الحيوي الذي تلعبه مصر للحفاظ على استقرار منطقة الشرق الأوسط، مؤكداً على أن مصر والولايات المتحدة الأمريكية تربطهما شراكة استراتيجية ممتدة لعقود طويلة، مشيراً إلى أن الغرفة ترى أن الشراكة بين الولايات المتحدة ومصر تشهد تطوراً نوعياً، إذ تنتقل من مجرد علاقة تجارية تقليدية إلى شراكة اقتصادية استراتيجية ترتكز على المرونة، والابتكار، وتقاسم المسؤوليات، واستشرافاً للمستقبل.

يضيف أن الهدف الذي تسعى الغرفة دائماً لتحقيقه هو تعزيز وتنمية التجارة والاستثمار بين الولايات المتحدة ومصر، وأن تكون حلقة وصل مباشرة مع غرف التجارة الأخرى ومنظمات الأعمال، وأن تعبر عن آراء مجتمع الأعمال الأمريكي المحلي للمصالح العامة والخاصة في الولايات المتحدة، وإقامة منتدى يمكن من خلاله لرجال الأعمال الأمريكيين في مصر ورجال الأعمال المصريين ذوي المصالح الأمريكية تحديد ومناقشة ومتابعة المصالح المشتركة المتعلقة بأنشطتهم، والعمل مع الأفراد والمنظمات في مصر بشأن المسائل ذات الاهتمام المشترك.
وأضاف أنه في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية فإن أولويات الغرفة تتمثل في تأمين الوصول إلى مصادر الطاقة وضمان أمنها، بما في ذلك إدارة الموارد المائية وتطوير بنية تحتية تتسم بالمرونة والقدرة على الصمود، وتعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال التكامل الاقتصادي، وتسهيل حركة التجارة، وتنويع سلاسل التوريد؛ وتنمية رأس المال البشري، بما يضمن أن يكون النمو الاقتصادي شاملاً ومستداماً؛ وتبني حلول يقودها القطاع الخاص، بحيث تعمل جنباً إلى جنب مع الحكومات بدلاً من أن تحل محلها.
قال إن رؤية الغرفة تتمحور حول مستقبلٍ تضطلع فيه الشركات الأمريكية والمصرية بدور الشركاء الفاعلين في صياغة الحلول للتحديات الإقليمية والعالمية، مدعومةً بسياسات تشجع على بناء الثقة، والشفافية، والاستثمار طويل الأجل.
وحول إمكانية إقامة منطقة صناعية أمريكية في نطاق الهيئة الاقتصادية لقناة السويس، قال ستيف لوتس إن المتابع يدرك حجم الاستثمارات الكبيرة التي تتدفق يوماً بعد يوم على تلك المنطقة لمميزاتها الواضحة، لكن من المهم التوضيح أن أسلوب عمل الشركات الأمريكية مختلف في مثل تلك الأمور عما يحدث في دول أخرى أقامت مناطق صناعية في مصر أو تعتزم إقامتها؛ فالشركات الأمريكية الخاصة تبحث كل فرصة على حدة وتقرر على أساس الجدوى والعائد والمخاطر أين تستثمر وكيف، حيث لا يوجد أسلوب العمل الحكومي الذي يوجه إلى إقامة منطقة هنا أو مشروع هناك، والأمر كله متروك للمبادرات الخاصة، ويجب القول هنا إن شهية مجتمع الأعمال الأمريكي تزداد يوماً بعد يوم للاستثمار في منطقة قناة السويس وغيرها من المناطق في مصر.
وأوضح ستيف لوتس أن منتدى الأعمال المصري الأمريكي في دورته الثانية، والتي من المقرر أن تقام في منتصف هذا العام أو بعد ذلك إذا كانت الظروف مواتية، سيضع على أجندته بشكل خاص تعزيز الاستثمار الصناعي الأمريكي في مصر والشبكات في المجال الصناعي بين الشركات المصرية والأمريكية، ربما بغض النظر عن الإطار الذي سيتخذه هذا الاستثمار أو بغض النظر عن وجود تجارب هنا أو هناك تختلف عن النموذج الأمريكي الذي نعمل عليه.
وأضاف أن غرفة التجارة الأمريكية تعمل بنشاط مع صُنّاع السياسات في الولايات المتحدة للتأكيد على الدور الاقتصادي الاستراتيجي لمصر، وتأثيرها المُحفّز للاستقرار الإقليمي، وأهميتها كشريك تجاري واستثماري؛ لا سيما خلال فترات التوتر الإقليمي المتصاعد.
ومن خلال “مجلس الأعمال الأمريكي-المصري”، تُعزز الغرفة باستمرار الحاجة إلى تحقيق المرونة الاقتصادية، واستقرار الأسواق، والنمو القائم على قيادة القطاع الخاص في مصر. وفي لحظات الاضطراب الإقليمي، تعمل الغرفة لضمان إدراك المسؤولين الأمريكيين للكيفية التي يمكن أن تؤثر بها الصدمات الاقتصادية على سلاسل التوريد، وثقة المستثمرين، ومسارات الإصلاح الاقتصادي طويلة الأجل. ومن خلال القيام بذلك، نهدف إلى صياغة بيئة سياسات تدعم الاستقرار الاقتصادي، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وضمان استمرار مشاركة المستثمرين.
أوضح أنه لا تزال الغرفة تنظر إلى مصر باعتبارها مركزاً ومنصة للشركات الأمريكية التي تتطلع لممارسة الأعمال التجارية في أفريقيا، ولا سيما في قطاعات اللوجستيات، والبناء والتشييد، والطاقة، والأعمال الزراعية، والخدمات. مشيراً إلى إن تحقيق التقدم في هذا الصدد سيتطلب تحديداً دقيقاً للمشاريع المستهدفة، واستخدام أدوات التمويل المختلط، وتعزيز التنسيق بين الحكومات، ومؤسسات تمويل التنمية، والقطاع الخاص؛ وهي مجالات تظل الغرفة على أهبة الاستعداد للمساعدة في تنسيق الجهود بشأنها، والعمل مع شركائنا في قطاعي الأعمال والحكومة لتحديد الفرص المتاحة لهذا النوع من التعاون التجاري الديناميكي ومتعدد الأطراف.
وفي المستقبل، أعتقد أن هناك فرصة حقيقية لدعوة قادة الأعمال والمسؤولين الحكوميين من بلدان أفريقية مختارة للانضمام إلينا في القاهرة أثناء زياراتنا، وذلك لتحديد الأولويات القطاعية والمشاريع المحددة التي يمكن للشركات الأمريكية العاملة انطلاقاً من مصر استغلالها والاستفادة منها، مستفيدةً في ذلك من الاتفاقيات التجارية القائمة التي أبرمتها مصر مع مختلف الدول الأفريقية.
وحول المطالبات الصادرة عن الغرفة التجارية في واشنطن —وفقاً لموقعها الإلكتروني الرسمي— والمُقدمة إلى الكونجرس، التي تدعو إلى إجراء إصلاحات جذرية في بيئة الأعمال الأمريكية، بما في ذلك أنظمة التقاضي، وتسوية المنازعات، وإصدار تراخيص مشاريع البناء والتطوير، وكيفية تبادل الخبرات في سبيل التصدي لهذا النوع من التحديات، قال إن جهود الغرفة التجارية الأمريكية في مجال الدفاع عن السياسات تعكس شواغل مجتمع الأعمال، وتُنفذ بأسلوب بنّاء وتشاوري يهدف إلى تنمية التجارة والاستثمار بين بلداننا. ويمكن لهذه الجهود أن تتخذ أشكالاً متنوعة، تشمل التبادلات الفنية، والجهود المُركزة على قطاعات محددة، وحوارات الأعمال مع الجهات الحكومية.
وأكد أن الغرفة تمتلك خبرة واسعة في تنظيم اللقاءات والجمع بين الأطراف المعنية، ومن ذلك:
- الجمع بين الأوساط القانونية لمناقشة تسوية المنازعات التجارية والتحكيم.
- الجمع بين الهيئات التنظيمية وقطاع الأعمال لمناقشة كفاءة إصدار التراخيص، والشفافية، والمعايير القياسية، والملكية الفكرية، وخصوصية البيانات.
- تنظيم حوارات إصلاحية مشتركة بين القطاعين العام والخاص، تُركز على إمكانية التنبؤ بالمستقبل، وسيادة القانون، وثقة المستثمرين.
وفيما يخص مصر، فإن التبادلات والحوارات المُمنهجة والمستمرة من شأنها أن توفر لنا التركيز اللازم لإحداث تأثير ملموس يعود بالنفع على شركاتنا واقتصاداتنا.
وحول الضمانات أو الحوافز التي يتطلع إليها قطاع الأعمال الأمريكي لزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية في مصر، قال ستيف لوتس إن دافع المستثمرين الأمريكيين لا يقتصر على الحوافز المالية فحسب، بل يركزون أيضاً على وضوح المخاطر وإمكانية التنبؤ بالظروف التجارية. وتشمل الاعتبارات التي يأخذونها في الحسبان ما يلي:
- الاتساق التنظيمي والتطبيق الشفاف للقواعد واللوائح.
- وجود آليات واضحة وقابلة للإنفاذ لتسوية المنازعات.
- إمكانية تحويل العملات إلى الخارج وتوافر النقد الأجنبي.
- أطر عمل للشراكة بين القطاعين العام والخاص تكون موحدة المعايير ومؤهلة للحصول على التمويل المصرفي.
- جداول زمنية موثوقة لإصدار التصاريح والموافقات وإتمام المدفوعات.
وفي قطاعات التكنولوجيا، تشمل مجالات التركيز الإضافية أطر حوكمة البيانات، وحماية الملكية الفكرية، ومعايير الأمن السيبراني. وتُبدي الشركات استجابة إيجابية عندما تقترن الحوافز بالموثوقية المؤسسية، وبالاتساق طويل الأمد في السياسات واللوائح التنظيمية.
وحول القطاعات التي يجدها المستثمرون الأمريكيون الأكثر جاذبية في السوق المصرية حالياً، بخلاف قطاع الطاقة، قال إن هناك عدة قطاعات تستقطب اهتماماً قوياً، أبرزها: قطاع اللوجستيات والنقل، مستفيداً من الموقع الجغرافي لمصر وترابطها الإقليمي؛ وقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات الرقمية، بما في ذلك التكنولوجيا المالية (FinTech)، وبرمجيات المؤسسات، والبنية التحتية الرقمية؛ وقطاع الرعاية الصحية والمستحضرات الصيدلانية، بما يشمل البحوث السريرية وتقديم الخدمات الطبية؛ وقطاع الأعمال الزراعية والأمن الغذائي، الذي يغطي سلسلة القيمة بأكملها، بما في ذلك التصنيع الزراعي، ومستلزمات الإنتاج، ولوجستيات سلاسل التوريد؛ وقطاع التعليم وتنمية القوى العاملة، ولا سيما التدريب التقني والمهني؛ وقطاع التصنيع الموجه للتصدير، والمرتبط بسلاسل القيمة العالمية والإقليمية. وتتواءم هذه القطاعات مع أولويات التنمية المصرية من جهة، ومع نقاط القوة التي تتمتع بها الشركات الأمريكية في مجالات التكنولوجيا والابتكار والخدمات من جهة أخرى.









