في لحظة تاريخية فارقة، وبينما يواجه العالم تحديات مناخية وجيوسياسية غير مسبوقة، تبرز الدولة المصرية كلاعب محوري يقود قاطرة التحول الأخضر في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.
ومن قلب مدينة بورسعيد، وعبر منصة الورشة التدريبية التي نظمتها الشبكة العربية للبيئة والتنمية (رائد) يومي 25 و26 أبريل 2026، تجلت ملامح استراتيجية وطنية تتجاوز مجرد إنتاج الكهرباء إلى صياغة مستقبل اقتصادي وبيئي مستدام تحت لواء مبادرة “تيراميد” (TerraMed) الإقليمية.
مصر مركز إقليمي للطاقة.
لم يعد الحديث عن تحول مصر لمركز إقليمي للطاقة مجرد طموح، بل حقيقة رقمية جسدتها تصريحات الدكتور محمد الخياط، الرئيس السابق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة؛ حيث كشف عن تخصيص مساحات شاسعة لهذا النشاط تصل إلى 43 ألف كيلومتر مربع. هذه المساحة، التي تعادل أربعة أضعاف مساحة دولة لبنان، ليست مجرد أراضٍ فضاء، بل هي “خزان القوة” الذي تعول عليه الدولة لتأمين إمدادات الطاقة وترسيخ مكانتها الدولية.
هذه الرحلة التي انطلقت عام 1986 بتوربينات محدودة القدرة في الغردقة، بلغت ذروتها بصدور القانون رقم 203 لعام 2014، الذي أحدث طفرة تشريعية فتحت الأبواب للقطاع الخاص، وأثمرت عن معجزات هندسية مثل “مجمع بنبان” الشمسي و*”مجمع الزعفرانة”، وصولاً إلى نموذج *”جبل الزيت”** الفريد، حيث يتجاور بئر البترول مع توربينة الرياح في مشهد يجسد التكامل بين مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة لضمان أمن الطاقة القومي.
اقتصاديات التحول إلى الاستثمار الآمن
إن كسر “فوبيا” الاستثمار في القطاع الأخضر كان الركيزة الأساسية التي تناولها الدكتور ماجد كرم محمود، المدير الفني للمركز الإقليمي للطاقة المتجددة؛ حيث أوضح أن السياسات الداعمة- من إعفاءات ضريبية وجمركية، وتسهيلات تمويلية ميسرة بالتعاون مع جهات دولية، وضمانات سيادي- حولت هذا القطاع من مغامرة عالية المخاطر إلى فرصة استثمارية ذات عائد مضمون.
بفضل هذه الحوافز، وبالاستفادة من جودة الموارد الطبيعية المصرية (أطلس شمس مصر وأطلس رياح مصر)، تمكنت الدولة من تقديم أسعار كهرباء تنافسية تُعد من بين الأرخص عالمياً، مما يعزز من جدوى مشروعات “تيراميد” التي تطمح لرفع إنتاج الطاقة المتجددة في حوض المتوسط إلى واحد تيراواط بحلول عام 2030. هذا الإنتاج لا يستهدف الاستهلاك المحلي فحسب، بل يضع نصب عينيه تصدير الفائض وأمن الطاقة الأوروبي، مما يحول “أشعة الشمس” إلى عملة صعبة تتدفق في شريان الاقتصاد الوطني.
“الانتقال العادل” مسؤولية مشتركة
ويرى الدكتور عماد الدين عدلي، المنسق العام لشبكة “رائد”، على أن نجاح أي استراتيجية وطنية مرهون بوعي المواطن. ومن ثم، جاءت هذه الورشة لتمكين الإعلاميين من أدوات التغطية المهنية، وتحويل البيانات الفنية المعقدة إلى “قصص إنسانية” تربط بين الطاقة المتجددة وحياة الناس اليومية.
أضاف إن مبدأ “الانتقال العادل” الذي تتبناه المبادرة يضمن وصول ثمار التنمية للجميع، مع التأكيد على ثقافة “ترشيد الاستهلاك” ليس كضرورة اقتصادية فحسب، بل كمنطلق أخلاقي وديني أصيل. فالهدف النهائي لـ “تيراميد” و”رائد” هو بناء جسور من التفاهم بين صناع القرار والإعلام والمجتمع المدني، لضمان تحول مجتمعي شامل نحو “الاقتصاد الأخضر”.
واختتمت الورشة فعالياتها برسم خارطة طريق واضحة؛ تبدأ من تطوير الشبكات الوطنية والربط الإقليمي، وتمر عبر تشجيع الاستثمارات الوطنية والدولية، وتنتهي بإطلاق مبادرات تحفيزية كالمسابقات الإعلامية والتحقيقات الصحفية المشتركة. إن مصر، وهي تمضي بخطى ثابتة نحو عام 2030، لا تبني محطات للطاقة فحسب، بل تبني نموذجاً إقليمياً ملهماً يثبت أن الاستثمار في “البيئة” هو في جوهره استثمار في “السيادة” و”الرخاء” المستدام.









