في إحدى المناسبات الاجتماعية عرفني أحد تلاميذي على أبنائه بطريقة طريفة لكن ذات مغزي قائلاً: شريف تيك توك. ولمى انستجرام، واستطرد شريف طالب بكلية التجارة ولمى حاسبات ومعلومات، والأول مدمن تيك توك والثانية مدمنة انستجرام.
كان الشابان في حالة من الخجل إزاء ما قاله والديهما، لكن تحدثت لمى موجهة حديثها إلىّ لسنا وحدنا من نفعل هذا! ونظرت إلى والدها نظرة لوم على ما قاله.
نعم ليس وحدهما من يدمن أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي. إننا في عالم يسوده اقتصاد الانتباه. إنه نوع الاقتصاد الحديث الذي يعامل انتباه المستخدمين كسلعة مهمة ليكسر إطار الاقتصاد التقليدي حيث المستهلك الذي يشترى سلعة معينة وعلى نحو مباشر.
في اقتصاد الانتباه تقوم الشركات الكبرى بمراقبة وتتبع السلوك الرقمي لإنتاج محتوى خاص يستحوذ على وقت المستخدمين أو الزبائن، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل الوعي الفردي، والتحكم في السلوك، وتحقيق أرباح هائلة عبر بيع “بيانات الانتباه”.
من الفلسفة إلى علم النفس والاجتماع يتم الاستفادة من العلوم الإنسانية التي يراها عن غفلة كثرة من الناس في مجتمعنا غير ذات جدوى في ظل التقنيات الفائقة والذكاء الاصطناعي.
إنهم لا يفهمون أنها المدخل المؤثر في السيطرة والهيمنة في عصر المراقبة السيبرانية سواء بالتحكم في السلوك الإنساني أو مقاومة هذا التحكم الذي يحول الإنسان إلى سلعة أو شيء.
إنها خط الدفاع الأول في مواجهة حالة الالتهام المتوحش لوعينا الإنساني الذي يحفظ الوجود الإنساني من الضياع من خلال التوظيف المغرض أو السيء للعلوم الإنسانية يتم تصميم منصات تزيد من إدمان المستخدمين وتوجيه اهتماماتهم من خلال خوارزميات تتسم بالدقة.
أيها البشر أنتم مراقبون، ونرجو ألا تتعجلوا الحكم، ليس لحمايتكم، فالمراقبة السيبرانية هي رصد وتحليل للشبكات، الأنظمة والأجهزة الرقمية لاكتشاف التهديدات واللهجات الإلكترونية.
ليست من أجل الأمن فقط، بل تشمل جمع بيانات دقيقة عن تفضيلات المستخدمين لتوجيه الإعلانات وحصد الأرباح.
في اقتصاد الانتباه لا يحدث تراكم معرفي بالتدفق الهائل والمستمر للمعلومات بل تشتت الانتباه والإرهاق الذهني الذي يفضي إلى انعدام القدرة على التركيز العميق. ومن الاقتصاد إلى السياسة، لا يمكن أن يخرج اقتصاد الانتباه عن دائرة التأثير السياسي، فالأساليب والآليات التي يرافقها استثمارات هائلة في مجال المراقبة السيبرانية التي تعد السمة الأساسية لاقتصاد الانتباه تفرض طابعها السياسي بطريقة غير مباشرة لكن فاعلة ومؤثرة للغاية.
إنها تقدم لك عالماً سياسياً خلاباً في وعوده مزيفاً عند الوفاء بتلك الوعود. إنه يقدم وعداً بالحرية بينما التقييد والهيمنة هما السائدين ، والاستقلال الذاتي بينما الاستعباد قائم على قدم وساق في الواقع.
وكما يقول الشاعر المبدع “محمود عبد الله” بناء عن ظروف جدت مشيت مضطرة عكس السير، ودرس الشر علمني أحس بمعنى كلمة خير، جو الأرض بتداري جواهر ياما مش تبان عشان نلمسها بادينا لازم ينفجر بركان.









