فى العصر الذى نعيشه اليوم والذى يطلق عليه عصر المعلومات، نواجه مفارقة غريبة، فبرغم الطفرة العلمية الهائلة وسهولة الوصول إلى المعارف، إلا أن «التخاريف» والأفكار الظلامية وجدت لها أرضا خصبة للانتشار عبر الفضاءات الرقمية. ولم تعد الخرافة مجرد حكايات شعبية قديمة، بل تطورت لتتخذ شكلا معاصراً. أحياناً تحت ستار الطب البديل، وأحيانا فى شكل «نظريات مؤامرة»، أو ادعاءات روحانية زائفة. ومن هنا تبرز أهمية الوعى ليس كرفاهية فكرية، بل كضرورة وجودية لحماية الفرد والمجتمع.
والوعى ليس مجرد تكديس للمعلومات فى الذاكرة، بل هو القدرة التى تمكن الإنسان من فك شفرات ما يعرض عليه. إنه الحاسة السادسة التى تجعل الفرد يتوقف أمام أى معلومة متسائلاً: ما الدليل؟ ومن المستفيد؟ وهل يتسق هذا مع منطق العلم؟.
التخاريف تعتمد بالأساس على «تغييب الوعي» واستبداله بالعاطفة. هى تخاطب فى الإنسان خوفه من المرض، أو قلقه من المستقبل، أو رغبته الفطرية فى إيجاد حلول سريعة وسحرية لمشاكل معقدة. وهنا يأتى دور الوعى ليعيد بناء الجسور بين العقل والواقع، مؤكداً أن الطريق إلى الحقيقة لا يمر عبر الوعود البراقة، بل عبر التجربة والبرهان.
وتعتمد التخاريف المعاصرة على استراتيجيات نفسية دقيقة لاختراق الحصون الذهنية لغير الواعين. ويتم خلط معلومة علمية صحيحة بعشر مغالطات، مما يجعل تمرير «التخريفة» أمراً يسيراً على الشخص العادي. وكثيراً ما يتصدر هذه الأفكار أشخاص يمتلكون قدرات خطابية عالية، أو يحيطون أنفسهم بهالة من القداسة أو «العلم اللدني»، مما يدفع الأتباع لتصديقهم دون مراجعة. وتساهم خوارزميات التواصل الاجتماعى فى حصر الإنسان داخل دائرة من الأفكار التى تشبه معتقداته، مما يعزز من إيمانه بالخرافة ويجعله يرى أى صوت نقدى كأنه «هجوم» أو «مؤامرة». ومن أخطر أنواع التخاريف تلك التى تمس صحة الإنسان. نرى اليوم رواجاً لمدعين يقدمون وصفات سحرية لعلاج أمراض مستعصية، محرضين المرضى على ترك علاجاتهم العلمية. الوعى هنا يعنى إدراك أن الطب القائم على الدليل هو المرجعية الوحيدة. الوعى الصحى يجعل المواطن يدرك أن التجربة الشخصية لفلان أو علان ليست دليلاً علمياً، وأن البحث العلمى يتطلب سنوات من الاختبارات السريرية والرقابة الصارمة.
إن غياب الوعى فى هذا الجانب لا يؤدى فقط إلى ضياع المال، بل يؤدى إلى كوارث بشرية وفقدان للأرواح، حيث يتحول التابع لهؤلاء المدعين إلى حقل تجارب لأوهام لا أساس لها من الصحة.
والتخاريف لا تضر الفرد وحده، بل تفتت عضد المجتمع. عندما تؤمن قطاعات واسعة بأفكار غير عقلانية، يصبح المجتمع عاجزاً عن اتخاذ قرارات رشيدة تجاه الأزمات، سواء كانت أوبئة، أو تحديات اقتصادية، أو قضايا بيئية.
الوعى المجتمعى يتطلب تضافر جهود عدة مؤسسات وعلى رأسها الإعلام الذى يجب أن يكف عن استضافة الدجالين ومدعى العلم تحت مسمى حرية الرأى أو بحثاً عن «التريند». وينبغى على المؤسسات التعليمية أن تركز على تدريس «التفكير النقدي» كمنهج حياة، وليس مجرد تلقين دروس صماء.
والمثقفون يقع على عاتقهم دور «المشعل»، بتبسيط العلوم ومواجهة الأكاذيب بلغة رصينة وهادئة.
بناء الوعى عملية تراكمية تبدأ من الفرد نفسه. ويجب ألا نصدق كل ما نراه على شاشة التليفون، خاصة تلك المنشورات التى تبدأ بعبارة «سارع قبل الحذف» أو «سر يخفيه عنك الأطباء». ولابد من البحث عن المعلومة فى المراجع الأصلية والمواقع الرسمية للمنظمات العلمية الدولية والمحلية.. إن الحب لشخص ما أو الإعجاب بأسلوبه لا يعنى بالضرورة صحة كلامه العلمي. العلم لا يعرف المجاملة.
إن المعركة بين الوعى والتخريف هى معركة أزلية، لكنها اليوم أكثر شراسة. التخاريف هى قيود غير مرئية تكبل العقول وتمنع الأمم من النهوض، بينما الوعى هو النور الذى يكشف زيف هذه القيود.
الحقيقة قد تكون أحياناً قاسية أو تتطلب وقتاً وجهداً، بينما الخرافة دائماً ما تكون سهلة ومريحة. لكن فى النهاية، الوعى هو الذى يبنى الحضارات، ويحمى الإنسان من أن يكون مجرد أداة فى يد مدعٍ أو دجال. إن امتلاك الوعى يعنى امتلاك القدرة على تقرير المصير، وهو الضمانة الوحيدة لكى يظل العقل البشرى حراً، نقدياً، ومنتجاً.
وللحديث بقية









