في مثل هذه الأيام من عام 2008، لم أكن أتخيل أن حديثًا قصيرًا في صالة تحرير «الجمهورية» سيعيد تشكيل مسارى المهنى بالكامل.
استدعاني أستاذي الكاتب الصحفي الراحل محمد أبو كريشة، مدير التحرير آنذاك، ليبلغني بقرار ندبي من قسم الخدمات الصحفية المتميزة (139) إلى قسم التعليم، للمشاركة في تغطية امتحانات الثانوية العامة.
وقتها، دار في ذهني سؤال سريع: لماذا التعليم؟ لماذا لا أذهب إلى قسم الرياضة ببريقه ونجومه، أو الاقتصاد والبنوك وفلوسهما، أو الوزارات التي تفتح أبواب العلاقات والسفر؟
لم أتخيل آنذاك أنني على وشك الغوص في «بحر» مختلف تمامًا… بحر التعليم، بأمواجه المتلاطمة، وعواصفه التي لا تهدأ، وفي القلب منه امتحانات الثانوية العامة.
مرت 17 عامًا… عشرات المواسم، مئات الجولات الميدانية حول اللجان، آلاف القصص الإنسانية.
لم تكن مجرد تغطية صحفية، بل كانت معايشة كاملة لواحد من أهم «الاختبارات المجتمعية» السنوية في مصر.
رأيت القلق في عيون الطلاب قبل دخول اللجان، ورأيت أمهات يحولن أرصفة الشوارع إلى “سجاجيد صلاة” .. رصدت دموع طالبات خرجن من امتحان صعب، وضحكات فرحة بعد اختبار سهل. تابعت لحظات الانهيار… ولحظات الانتصار.
كنت شاهدًا على إلغاء امتحانات بعد تسريبها، وعلى قضايا «السناتر» وبيع الملازم، وعلى ما يُعرف بـ«لجان الأكابر». نقلت نبض الطلاب، وشكاوى المراقبين، واختلافات المعلمين حول صعوبة الأسئلة.
دخلت غرف الكنترولات.. عشت تفاصيل التصحيح، من زمن الورقة والقلم، إلى عصر «الاسكانر» والتابلت والتصحيح الإلكتروني.
ووقفت في لحظات إعلان النتيجة، حيث تختلط الفرحة بالدموع، وتتحدد ملامح مستقبل مئات الآلاف.
هذه الرحلة الطويلة لم تكن مجرد مهنة… بل خبرة إنسانية ومهنية أعتقد أنها تمنحني الحق في توجيه 5 رسائل صادقة لكل أطراف منظومة الثانوية العامة في 2026، التي يتبقى عليها 57 يومًا:
● إلى الطلاب: تفوقك لا يعتمد فقط على ما ذاكرته، بل على تنطيمك لوقتك، و محافظتك على هدوء أعصابك. ابذل أقصى ما لديك، ثم تقبل النتيجة برضا. ثق أن الله لا يكتب لك إلا الخير، حتى وإن تأخر فهمك له.
● إلى أولياء الأمور: لا تضغطوا على أبنائكم. الهدوء أمامهم أهم من أي درس خصوصي. كونوا سندًا ودعمًا، لا مصدر قلق .. فالصحة النفسية لأبنائكم أغلى من أي مجموع، وتأكدوا أن كل جهد صادق وقرشًا تنفقونه سيعود إليكم خيرًا مضاعفًا.
● إلى واضعي الامتحانات: الاختبار الحقيقي ليس في تعجيز الطلاب، بل في قياس ما تعلموه. المطلوب امتحان عادل يقيس الفهم ونواتج التعلم، لا استعراضًا للقدرات أو مفاجآت خارج المنهج.
● إلى القائمين على المنظومة، وزيرًا ورئيسًا عامًا للامتحانات: أنتم أمام مسؤولية عظيمة. قرابة 900 ألف طالب ، ومعهم آسرهم ، أمانة في أعناقكم.. فكل طالب يحصل على حقه هو لبنة واعدة في مستقبل هذا البلد.
● إلى وزارة التعليم وصنّاع القرار: لم يعد مقبولًا التعامل مع نتائج الثانوية العامة باعتبارها مجرد “نسبة عامة للنجاح”. البيانات اليوم هي مفتاح الإصلاح الحقيقي: أداء المواد، الفروق بين المحافظات، معدلات الغش، نسب التحسن والتراجع. هذه الأرقام يجب أن تُعلن بشفافية، وتتحول إلى قرارات تكافئ المجتهد، وتدعم المتعثر، وتحاسب المقصر، وتطور أدوات التقييم.
أما إخفاء البيانات، فيفتح الباب أمام الشائعات، ويُضعف ثقة المجتمع في المنظومة الامتحانية بأكملها.
بعد 17 عامًا، أدركت أنني لم أُندب لتعليم عبثا… بل كُتبت لي رحلة في أهم ملفات الوطن .. وما بين أول يوم دخلت فيه وحتى اليوم، بقيت الحقيقة الأهم: «الثانوية العامة ليست مجرد امتحان… بل حكاية وطن تُكتب كل عام من جديد».









