من أسوأ المصطلحات التى شقت طريقها إلى قاموس الأحوال الشخصية للمسيحيين تعبير «الزنا الحُكمى»، الذى استُحدث عام 2008 عندما قرر البابا شنودة الثالث تعليق العمل بلائحة 1938 المنظمة للأحوال الشخصية للأقباط وإدخال تعديلات جوهرية عليها.
و«الزنا الحُكمى» اختراع أدخلته «النخبة القبطية» منذ ذلك الحين لتبرير التوسع فى عمليات التطليق، حتى يتسق ذلك مع مقولة منسوبة للسيد المسيح- ولا وجود لها فى الإنجيل- «لا طلاق إلا لعلة الزنا».
ولكن ما هو «الزنا الحُكمى»؟ وما الفرق بينه وبين «الزنا العادى»؟ الزنا العادى هو علاقة غير شرعية بين رجل وامرأة وهذا معروف، أما «الحُكمى» فهو من الآخر أشبه ما يكون بـ «رمى البلاء» على الناس، فحين يريد أحد الزوجين الطلاق لا يكون أمامه سوى الطعن فى شرف الطرف الآخر، وإثبات أنه وقع فى «الزنا» حتى ولو كان ذلك من خلال رسائل أو مكاتبات أو صور.

الموضوع خطير خاصة أنه تم اعتماده فى مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين الذى تم إرساله للبرلمان، ويمثل مخالفة دستورية وقانونية جسيمة لضمانات صارمة لا يثبت «الزنا» إلا من خلالها، ومن أبرزها وأهمها:
المـادة 276 من قـانون العقوبات التى حددت ضوابط واضحة لا يمكن الحياد عنها فى إثبات «الزنا».
- أولها: «التلبس» أى لابد من ضبط المتهمين فى حالة تلبس فعلى.
- ثانيها: الاعتراف أى أن يكون هناك إقرار واضح وصريح ودون إكراه بارتكاب الواقعة.
- ثم تأتى المكاتبات والمراسلات فى المرتبة الثالثة، ويليها وجود الشريك فى المحل المخصص للحياة الزوجية.
أحكام محكمة النقض: حيث استقرت على أن «الزنا» لا يقوم إلا بوقوع «الوطء» أى الفعل المادى، ولا يثبت بمجرد افتعال «الفُحش» أو المراسلات دون يقين.
وقد أحاط المشرع هذه التهمة التى تمس الشرف والسُمعة والاعتبار بضوابط صارمة لحماية الأعراض، حيث يستلزم فى إثباتها الإقرار الصريح، ووجود 4 شهور عدول عاينوا الواقعة فى مجلس واحد دون وجود مجال للشك، وأن تتفق روايتهم إلى حد التطابق. هل تتخيلوا أن أى جريمة تثبت بإثنين من الشهود، إلا «الزنا» الذى لا يثبت إلا بأربعة شهود ؟!!

فهل يُعقل أن يكون القانون المصرى واضحًا وقاطعًا ودقيقًا فى هذه المسألة إلى هذا الحد، ثم يصدر قانون للأحوال الشخصية يقر باختراع جديد اسمه «الزنا الحُكمى»، يستطيع من خلاله أحد الزوجين تحريك دعوى «الزنا» ضد الطرف الآخر لمجرد وجود صور أو رسائل أو مكالمات على تليفونه المحمول مثلًا؟ وتزداد خطورة الأمر فى عصر «الذكاء الاصطناعى» وما نتج عنه من آليات «التزييف العميق» التى تتيح إمكانيات واسعة فى تأليف الصور والفيديوهات.
لست ضد الطلاق إذا استحالت العشرة بين الزوحين ووصلت الأمور إلى حد النفور الذى يُخشى فيه على أى منهما، ولكن كيف نفرط فى هذه الثوابت القانونية الراقية، ويدفعنا الحرص على توسيع حالات الطلاق إلى هذا السلوك «المريض» المطعون فى دستوريته ويخالف ألف باء قواعد القانون العام الحاكم للمجتمع؟

لقد فعلت الحكومة ما عليها، واستمعت إلى الكنائس جيدًا وأحالت المشروع إلى مجلس النواب، وأنتظر أن تشهد الفترة القادمة حوارًا مجتمعيًا حقيقيًا حول هذا القانون الذى نتمنى أن يكون «نهاية» لمتاعب الأقباط، وليس «بداية» لإثارة المزيد منها.. وللحديث بقية.









