جاء بيان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أمام البرلمان أمس، ليؤكد على توجه الدولة نحو إدارة دقيقة للمرحلة الاقتصادية الراهنة، في ظل تحديات عالمية متسارعة وضغوط ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتداعيات التوترات الإقليمية والدولية.
وأكد خبراء اقتصاد، أن بيان رئيس الوزراء حمل رسائل طمأنة بشأن قدرة الحكومة على الحفاظ على استقرار الأسواق، وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، إلى جانب استمرار العمل على مسار الإصلاح الاقتصادي وتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة.
وأضافوا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز سياسات جذب الاستثمار وتوسيع الحوافز الاقتصادية، بالتوازي مع استمرار دعم الفئات الأولى بالرعاية ومحدودي الدخل، بما يحقق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية.

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور وليد جاب الله أن بيان رئيس الوزراء أمام البرلمان يعكس بوضوح رؤية متكاملة لإدارة المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن الحكومة تتحرك في مسارين متوازيين يهدفان إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي رغم التحديات العالمية والإقليمية.
وأوضح جاب الله أن المسار الأول يتمثل في الاستمرار بتنفيذ مستهدفات استراتيجية 2030، مع العمل على استكمال برنامج الإصلاحات الهيكلية، بما يسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري وتحسين مستوى معيشة المواطنين على المدى المتوسط والطويل، مؤكدًا أن هذا المسار يعكس التزام الدولة بخطط التنمية المستدامة وعدم التراجع عنها رغم الضغوط.
وأضاف أن المسار الثاني يركز على التعامل مع التداعيات الاستثنائية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، والتي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتكاليف النقل، وهو ما يتطلب سياسات مرنة وسريعة للتخفيف من آثارها على الداخل.
وأشار إلى أن الحكومة نجحت خلال الأسابيع السبعة الماضية في تحقيق توازن بين المسارين، من خلال التحرك الاستباقي وتوفير بدائل متعددة، بما يعزز قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الخارجية وتقليل انعكاساتها على المواطنين.
ولفت جاب الله إلى أن حزمة الحماية الاجتماعية التي تم الإعلان عنها، بقيمة 40 مليار جنيه لدعم نحو 15 مليون أسرة، تمثل خطوة مهمة لتخفيف الأعباء المعيشية، إلى جانب قرارات زيادة الأجور بنسبة 21% ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه شهريًا اعتبارًا من يوليو، وهو ما يعكس حرص الدولة على دعم الفئات الأكثر احتياجًا وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.
وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتفًا مجتمعيًا، داعيًا المواطنين إلى تبني ثقافة الترشيد في الاستهلاك، والتركيز على الأولويات والاحتياجات الأساسية، مع تأجيل الإنفاق غير الضروري، بما يسهم في عبور هذه الفترة الاستثنائية بأقل قدر ممكن من الضغوط الاقتصادية.

أكد الدكتور علي الإدريسي الخبير الاقتصادي، أن من أبرز النجاحات التي تحققت خلال الفترة الحالية هو قدرة الحكومة على الحفاظ على توافر السلع الأساسية واستقرار الأسواق، رغم التحديات الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن المواطن لم يضطر للبحث عن سلع مفقودة أو مواجهة أزمات حادة في الوقود أو المواد الغذائية، وهو ما يعكس كفاءة إدارة الأزمة.
وأوضح أن الحكومة نجحت خلال فترة التوترات الراهنة في احتواء تداعياتها، والحفاظ على استقرار الأوضاع الاقتصادية بدرجة كبيرة، وهو أمر يُحسب لها في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، مؤكدًا أن هذا الاستقرار جاء نتيجة التحرك السريع من الحكومة وتبني سياسات مرنة تركز على تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وأضاف أن الدولة أولت اهتمامًا واضحًا بالفئات الأولى بالرعاية، من خلال العمل على توفير السلع والخدمات الأساسية وضمان وصولها بشكل منتظم، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن محدودي الدخل والطبقات الأكثر احتياجًا.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب التوسع في تقديم الحوافز الاقتصادية لجذب المزيد من الاستثمارات، خاصة في ظل ما تتمتع به مصر من حالة استقرار وأمان نسبي مقارنة بعدد من دول المنطقة، وهو ما يمثل فرصة مهمة لتعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة.
وشدد الإدريسي على أهمية الاستمرار في دعم الفئات محدودة الدخل، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، بالتوازي مع تحفيز بيئة الاستثمار، بما يحقق توازنًا بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية خلال الفترة القادمة.

أكد الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي، أن ما عرضه رئيس الوزراء أمام البرلمان يمثل في مجمله “كشف حساب” للحكومة خلال الفترة الماضية، إلى جانب استعراض ملامح الخطط المستقبلية في ظل أوضاع عالمية شديدة الاضطراب، موضحًا أن العالم شهد أزمات متتالية في مقدمتها التوترات الأمريكية الإيرانية، والتي انعكست بشكل مباشر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع، خاصة الغاز والنفط، وبالتالي زيادة الضغوط على الاقتصاد المحلي ودفع الحكومة إلى تحريك أسعار بعض المحروقات.
وأشار إلى أن البيان تناول أيضًا تحديات داخلية، من بينها تراجع إيرادات قطاع السياحة وزيادة متطلباته، لافتًا إلى أن الحكومة سعت إلى التعامل السريع مع هذه المتغيرات من خلال المتابعة المستمرة وتشكيل لجان لإدارة الأزمات وتقليل آثارها السلبية، وهو ما يعكس وجود درجة من الجدية في إدارة الأزمة، وإن كان يحتاج إلى استمرارية أكبر وفاعلية أعمق على أرض الواقع.
وأضاف أن الدولة نجحت في الحفاظ على استقرار السلع الاستراتيجية، وخاصة الغذائية والأدوية، بما حال دون حدوث أزمات أو نقص حاد في الأسواق، مشيرًا إلى أن التنسيق مع البنك المركزي ساهم في توفير الاحتياجات الأساسية ودعم استقرار السوق.
وفيما يتعلق بالشق الاجتماعي، أوضح عبد المطلب أن قرار رفع الأجور وزيادة الحد الأدنى إلى 8000 جنيه يمثل خطوة مهمة، لكنه أشار إلى أن توقيته يثير تساؤلات في ظل تقلبات سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم، متسائلًا عن مدى استدامة القيمة الحقيقية لهذه الزيادات في حال استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية.
ولفت إلى أن الحكومة أعلنت استعدادها لمختلف السيناريوهات، مع وجود رؤية استشرافية للمستقبل، من بينها خطة لتسريع أعمال البحث والتنقيب والاستكشاف في قطاع النفط والغاز بهدف زيادة الإنتاج المحلي والعودة للتصدير، وهو ما يعد عنصرًا إيجابيًا قد ينعكس على تحسين مناخ الاستثمار وجذب الشركات العالمية، خاصة مع توافر تمويل وخطط واضحة في هذا الاتجاه.
وتطرق إلى المؤشرات الاقتصادية التي وردت في البيان، مثل تحقيق معدل نمو بلغ 5.3%، وارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى نحو 6 مليارات دولار بنسبة 13.6%، إلى جانب تراجع عجز الميزان الجاري وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج إلى 22.1 مليار دولار في النصف الثاني من 2025، معتبرًا أنها مؤشرات مطمئنة نسبيًا.
وشدد على ضرورة ان تقوم الحكومة الفترة المقبلة بالتوسع في التصنيع والزراعة، والتعامل مع تحديات البطالة والتعليم والصحة، ووجود خطة شاملة لإدارة ملف الدين العام، في ظل تزايد أعباء القروض وفوائدها.
وأكد على أن أبرز ما يدعو للتفاؤل في بيان رئيس الوزراء هو توجه الدولة نحو إعادة تنشيط قطاع النفط والغاز واستعادة دوره، معتبرًا أن هذا المسار قد يمثل نقطة إيجابية مهمة إذا تم تنفيذه بشكل فعال ومستدام خلال الفترة المقبلة.









