كل من يزور الولايات المتحدة الأمريكية الآن سيدرك منذ الوهلة الأولى أن أمريكا في عهد الرئيس دونالد ترامب لم تعد هي التي كانت عليه من قبل.
خلال 7 زيارات سابقة لي إلى الولايات المتحدة بصحبة بعثة “طرق الأبواب” التي تنظمها سنوياً غرفة التجارة الأمريكية في مصر، كان التأكيد في جميع لقاءاتنا على أن اتخاذ القرار في واشنطن له تقاليد ثابتة تعتمد على “دولة المؤسسات”؛ حيث لكل مؤسسة استقلاليتها وقوتها في التأثير. بدءاً من مستشاري البيت الأبيض وعلى رأسهم مستشار الأمن القومي، مروراً بوزارتي الخارجية والدفاع، وصولاً إلى الكونجرس ووكالة المخابرات المركزية، ثم يأتي دور مراكز الأبحاث التي توفر الرأي والمشورة المبنية على دراسات مستفيضة ومعمقة.
وكان الرئيس، عند اتخاذه أي قرار مصيري، يضع خيارات هذه المؤسسات في الحسبان، ثم يصدر قراره وفقاً لرؤيته ورؤية الدائرة الضيقة المحيطة به، والتي كانت غالباً ما تنسجم مع هذه الآراء حتى لو خالفت بعضها.
الآن، وفي زيارتي الحالية لواشنطن مع البعثة في دورتها الـ43، سمعت الكل يردد المقولة ذاتها: “أمريكا تغيرت”، أو كما نقول في مصر: (أمريكا قبل إدارة ترامب “حمادة”.. ودلوقتي “حمادة تاني خالص”). والكل يجمع على أنها تغيرت للأسوأ؛ فالرئيس يتخذ قراراته منفرداً، والولاء بات يسبق الخبرة والمشورة، ومناخ الحريات في تراجع مستمر.
أما حرية الصحافة فقد أصبحت شيئاً من الماضي؛ إذ إن الاجتهاد للحصول على المعلومات من مصادرها يضع الصحيفة أو الصحفي تحت التهديد، إما باتهامه بالكذب والتلفيق، أو بسحب التصاريح وطرده من البيت الأبيض لحين النظر في أمره أمام القضاء.
عقد الوفد الصحفي المرافق للبعثة لقاءً ودياً مع عدد من الصحفيين المقيمين في واشنطن، والمتخصصين في تغطية نشاط البيت الأبيض ووزارتي الخارجية والدفاع. كان الهدف هو الحديث عن مستقبل الصحافة الورقية، والتحديات التي يواجهها المهنيون في ظل إدارة تتخذ موقفاً حاداً من حرية الرأي.
دار الحديث حول موضوعات شائكة، أبرزها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتأثيرها على المواطن الأمريكي ومنطقة الشرق الأوسط ودول الخليج، وصولاً إلى التوقعات بشأن الأوضاع في البحر الأحمر.
اللقاء الذي عُقد في “نادي الصحافة الوطني” بواشنطن، شارك فيه الكاتب الصحفي الأمريكي دانيال ماسي، وتوماس جورجيسيان، وهبة القدسي مدير مكتب “الشرق الأوسط” في واشنطن. بدأت المناقشات من التحولات الجذرية حول مستقبل المهنة، وضغوط التطور التكنولوجي، وتغير أنماط الاستهلاك، وتحديات التمويل، وتراجع الثقة. وعكست الندوة حالة “القلق المشروع” داخل الأوساط الصحفية، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن فرص لإعادة تعريف دور الصحافة.
وحول سؤال: “هل ستستمر الصحافة الورقية؟”، كانت الإجابة بأن السؤال لا يجب أن يكون عن “الاستمرار” بل عن “الكيفية”. فالصحافة الورقية تواجه تحديات غير مسبوقة جراء التحول الرقمي وانخفاض التوزيع، وأكد المشاركون أنها لن تختفي، بل ستتحول إلى منتج “نخبوي” أكثر تخصصاً وعمقاً، يخاطب الباحثين عن التحليل لا الخبر السريع، لتصبح بمثابة “المنتج المتميز” عالي الجودة.
أما المحور الثاني، فتركز حول “جمهور الصحافة”. فالجمهور لم يختفِ بل تغير سلوكه؛ إذ لم يعد القارئ ينتظر صحيفة الصباح ليعرف الخبر الذي يتلقاه لحظياً عبر هاتفه. هذا التحول فكك مفهوم “الجمهور العام” إلى “جماهير متخصصة”، مما يفرض على المؤسسات فهم هذه الفئات وتقديم محتوى يلبي احتياجاتها بدلاً من النموذج الموحد.
وفيما يخص “جيل Z”، أشار النقاش إلى أن هذا الجيل يمثل التحدي والأمل معاً؛ فهو لا يثق بسهولة، ويفضل المحتوى المرئي والتفاعلي والمنصات الاجتماعية. لذا، فإن جذبه يتطلب تبسيط المحتوى وربطه بتجارب حياتية مباشرة مع الحفاظ على المصداقية والشفافية في كيفية إنتاج الخبر.
كما تطرقت المناقشات إلى “نموذج الاشتراكات” كبديل لعائدات الإعلانات المتراجعة. والنجاح هنا يتطلب تقديم “قيمة مضافة” حقيقية من تحقيقات حصرية وتحليلات لا تتوفر مجاناً، لبناء ثقة تجعل القارئ مستعداً للدفع.
وانتقل الحوار إلى علاقة المسؤولين بالصحافة، حيث أجمع الحضور على أنها علاقة معقدة تتأرجح بين “الشراكة” و”الخصومة”. وأكدوا أن هيبة الصحافة تفرضها مهنيتها واستقلالها، رغم محاولات تقييد تدفق المعلومات. وفي عصر “فيض المعلومات”، لم يعد التحدي في نقص البيانات، بل في “التحقق منها” وامتلاك مهارات التحليل لفرز الغث من السمين.
وكان المحور الأكثر إثارة هو “التغطية الصحفية للأزمة الإيرانية” كنموذج. حيث كشف المشاركون أن التغطية في الصحف الأمريكية غالباً ما تتأثر بالإطار السياسي العام، مما يضع الصحفي أمام تحدي نقل الحقيقة وتجنب الوقوع في فخ “السرديات الجاهزة”.
واختتم النقاش بسؤال حيوي: “كيف يحصل الصحفي على مصادره في بيئة معقدة؟”، وكانت الخلاصة أن الحصول على مصادر موثوقة يتطلب بناء شبكات علاقات طويلة الأمد، والاعتماد على مصادر متعددة، وعدم الاكتفاء بالروايات الرسمية.









