صفحات التاريخ تدون كل صغيرة وكل كبيرة مما يحدث عبر الأيام.. بعض التواريخ تمر عابرة، بينما تبقى أخرى محفورة فى الوجدان لا يغادرها ولايطويها الزمن. ويأتى الثامن من أبريل كأحد تلك الأيام الثقيلة فى الذاكرة، ليس فقط بما شهده من أحداث متباينة، بل بما يحمله من دلالات إنسانية عميقة تتكرر عبر السنين.
ففى هذا اليوم، تتجاور وقائع من عوالم مختلفة؛ من إطلاق المركبة أبولو الى القمر عام 1964، إلى رحيل بيكاسو عام 1973 ومارجريت ثاتشر عام 2013 ، لتمثل محطتى عابرة فى التاريخ الإنساني. أما فى الذاكرة المصرية، فإن الثامن من أبريل يحمل معنى آخر أكثر قسوة وبشاعة وألما.
فى صباح يوم الأربعاء الثامن من أبريل عام 1970، وبينما كانت الحياة تمضى بهدوء فى قرية ريفية بسيطة بمحافظة الشرقية، تحولت مدرسة بحر البقر الإبتدائية إلى ساحة مأساة إنسانية، حين تعرضت لقصف جوى غادر من العدو الصهيونى أثناء حرب الإستنزاف أسفر عن مقتل 50 فتاة وجرح 50 طفلة أخرى وإصابة آخرين. لم يكن هؤلاء الصغار يحملون سوى دفاترهم وأحلامهم البريئة، ولكن نيران الغدر المجرمة امتدت اليهم لتزهق أرواحهم بدون ذنب فى واحدة من أبشع صور استهداف المدنيين.. لم يكن الحدث مجرد رقم فى سجل الضحايا، بل صدمة إنسانية أعادت طرح أسئلة لا تنتهى حول معنى الحرب وحدودها.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الثامن من أبريل تاريخا عاديا فى الوجدان المصري، بل صار شاهدا دائما على أن بعض المآسى لا تنسي، لأنها ببساطة أكبر من أن تنسي. وجاء السادس من اكتوبر 1973 ليثأر الجيش المصرى الباسل لدم هؤلاء الشهيدات من الأشرار القتلة.
وبعد أكثر من خمسة عقود، يطل من جديد على واقع مضطرب. واتفاق هش لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بعد 40 يوما من حرب ضارية كادت أن تجر المنطقة إلى مواجهة أوسع صمدت فيه ايران بكل عزة وكرامة وبسالة لاعتداء وحشى مسعور ممن يملك أبشع أسلحة الفتك والدمار .. إعتداء لامبرر ولا هدف له، رغم ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمى والاقتصاد العالمي. هذه الحرب شهدت فى أول يوم لها واحدة من أكثر الوقائع صدمة للإنسانية.. فقد أطلقت امريكا صواريخ توماهوك المدمرة مستهدفة مدرسة ابتدائية فى مدينة ميناب جنوب ايران مما أدى الى مقتل اكثر من مائة طالبة داخل فصولهم الدراسية ثم صاروخ آخر على من كان منهم فى غرفة صغيرة للصلاة .. كل الأدلة تؤكد وتوثق بالصوت والصورة الأوامر الصادرة بإطلاق الصواريخ مع العلم التام بأنها موجهة الى فصل دراسى ليس به الا فتيات أبرياء فأصابتهم بشكل مباشر وليس عن طريق الخطأ. وهو ما يعُبر خرقا واضحا لقواعد القانون الدولى الإنسانى التى تلزم أطراف النزاع بحماية الأعيان المدنية، وعلى رأسها المدارس. هذه المأساة الإنسانية الجسيمة لابد أن تثير جدلا واسعا وعالميا حول المسئولية والمحاسية .. إنها جريمة قتل عمد واضحة المعالم وهى لا شأن لها بالحرب فهؤلاء الطالبات الأبرياء لم يكونوا فى حالة حرب .. والقاتل معروف والدليل واضح وجلى بل والاعترافات مدونة.
ومن المؤسف أن نرى رئيس دولة كبرى يكذب جهارا ويتهم إيران بأنها قتلت بناتها لأنهم كما قال : «لا يحسنون التصويب» بينما يرد نائبه من خلفه «نحن نحقق فى الأمر» .. وللآن لم نسمع نتيجة التحقيق .. ولن نسمع أبدا وحسبنا الله ونعم الوكيل
الحرب سوف تنتهى ان آتيا أو عاجلا .. ولا يعنينا هنا كيف تنتهي.. ولكن قتل هؤلاء الفتيات المتعمد والوحشى بدون ادنى سبب لا يمكن أن يمر دون محاسبة .. ولايمكن للمجتمع العالمى إن يتغاضى عن هذه الجريمة الشنعاء .. لابد من المحاسبة ولابد من العقاب .. وهذا نداء الى كل إنسان على ظهر هذه الأرض .. من كل مكان وكل لون وكل جنس وكل عقيدة .. قتل الأطفال الأبرياء دون سبب جريمة .. ومن قتل لابد أن يقتل.









