يناقش اليوم الكاتب والروائي والفنان الفوتوغرافي محمد الكاشف روايته الأحدث «الناسخ: لا أحد يعود كما ذهب»، والتي يقدم من خلالها تجربة سردية مشبعة بالنزعة الفلسفية والإنسانية العمياء. ترصد الرواية مأساة “اغتراب الإنسان المعاصر”، حيث تتآكل المعاني والقيم تدريجياً تحت وطأة العمل الروتيني، والخسارات المتراكمة التي لا تترك لصاحبها فرصة للترميم.
عن الرواية: رحلة من السؤال الوجودي إلى التيه
تدور أحداث الرواية حول “سالم عرفان”، الشاب الثلاثيني الذي يحمل شهادة في الفلسفة، لكنه يجد نفسه عالقاً في مهن هامشية لا تشبه روحه، مما يدفعه نحو حالة من الانفصال التدريجي عن ذاته وعن العالم المحيط به. تبدأ رحلة “سالم” من سؤال وجودي بسيط لكنه موحش عن كينونة الذات، ثم تتسع الدائرة لتشمل علاقاته وعمله، حيث تتحول حياته اليومية إلى عبء ثقيل يفتقر إلى المعنى.
في سياق هذا التيه، تتقاطع حياة “سالم” مع شخصيات مؤثرة، أبرزها “مريم” التي تظهر كمرآة تعكس بحثه عن المعنى؛ فهي تشاطره الوجع الإنساني ذاته، وإن اختلف كل منهما في زاوية رؤيته للحياة ومواجهتها.
لغة السرد: حين يكتب الشاعر روايته
لا تكتفي الرواية بتتبع خيوط العلاقات، بل تغوص في التحولات النفسية العميقة، حيث يتداخل “الهذيان بالحمى”، و”الوعي بالانفصال”، وسط عجز مطبق أمام الفقد وصمت يحمل على كاهله ثقل الحكاية برمتها. ومع تصاعد الأزمات—من فقدان الوظيفة إلى رحيل الأخ وفشل التجربة العاطفية—يدفع اليأس بـ “سالم” نحو خيار الهجرة غير الشرعية. وفي رحلة قاسية عبر الأراضي الليبية وأمواج البحر، يتحول السرد إلى اختبار وجودي حاد يكشف هشاشة الحلم الإنساني أمام صخرة الواقع.
تتميز لغة الرواية بأنها “شاعرية مكثفة” وصورها البلاغية حادة، فهي تمزج بين الواقعية القاسية والتأمل الوجودي. ويظهر فيها بوضوح خلفية الكاتب كشاعر “مرق” إلى عالم الرواية، ليعامل اللغة ككائن حي يعتني بأدق تفاصيله، محولاً “لقمة العيش” من مجرد حاجة مادية إلى قدر وجودي خانق.
بصوت الكاتب: محمد الكاشف يتحدث عن تجربته
وعن كواليس العمل، يقول محمد الكاشف:
«كتابة هذه الرواية لم تكن نزهة أدبية، بل كانت عملية انسلاخ مؤلمة. حين بدأتُ أخط سطورها الأولى، لم أكن أكتب حكاية عن شخص يدعى (سالم عرفان)، بل كنت أطارد (الناسخ) الكامن في داخلي وفينا جميعاً؛ ذلك الكائن الذي يستيقظ كل صباح ليعيد إنتاج يومه الماضي، وكأنه ورقة كربون تبهت مع كل استخدام. كنت مسكوناً بسؤال قلق: متى يتوقف المرء عن كونه (هو) ويصبح مجرد (نسخة)؟»
ويضيف الكاشف:
«أردت أن أثبت عبر السرد أن الهروب ليس فعلاً جباناً بالضرورة، بل هو أحياناً الطريق الوحيد لنعرف من نحن حقاً. انحزتُ أثناء الكتابة للصمت والجمل المبتورة؛ أردت للغة أن تشبه أبطالي في انكسارهم وحذرهم. جعلتُ المدينة شخصية تبتلع الأفراد، بينما كان البحر هو (العدم) الذي يمنحنا فرصة البدء من جديد».
ويختتم الكاشف حديثه عن «فلسفة النجاة» في روايته قائلاً:
«عندما وضعتُ الإهداء (إلى أولئك الذين حاولوا الهرب من أنفسهم، فلم ينجوا إلا بصورتهم وهم يغرقون)، كنتُ أعلن أن النجاة ليست بالوصول، بل بالقدرة على النظر إلى جروحنا بامتنان. كتبتُ هذه الرواية لأقول إن الكتابة هي الفعل الذي يحرر الإنسان من كونه نسخة مشوشة، ليكون (أصلاً) يمتلك صوته الخاص، حتى وإن كان هذا الصوت مثقلاً بالألم».
سيرة إبداعية: محمد الكاشف
محمد الكاشف، مصور فوتوغرافي حر وشاعر وروائي، من مواليد محافظة الفيوم عام 1985. تخرج في قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة المنيا.
في الشعر، صدر له:
- يمكن تحن السما (2016)
- نُص ملعقة سكر (2023)
- ولد مشاكس وغير لئيم (2024)
- مواجهة العالم بروح تايهة (2025)
- وكأني ورد مغلوب بشوكه (2026)
في الفوتوغرافيا، قدم مشاريع توثيقية رائدة، منها:
- الشقيانين: توثيق عمالة الأطفال.
- الفاعل: حياة عمال مصانع الطوب والفخار.
- الآخرون: رصد لركاب قطارات الدرجة الثالثة.
- غية الرجال: توثيق فن التحطيب في الصعيد.
- سفر عنخ: تفاصيل من المتحف المصري.
تُعد رواية «الناسخ: لا أحد يعود كما ذهب» هي العمل الروائي الأول له، والسادس في مسيرته الأدبية الحافلة.










