اعتدنا سنويًا أن يبدأ شهر أبريل “بكذبة” يُطلق عليها “كذبة أبريل”، غالباً ما تكون من باب الفكاهة وخفة الروح، لم يكن المقصد هو إشاعة الكذب ولا منحه مشروعية، ومن ذلك ما أذاعه مرة الراحل “نبيل عصمت” عن زمارة عبد الحليم حافظ وهاني شاكر -شفاه الله وعافاه- حيث كتب أن الفنان هاني شاكر سوف يستعمل في حفلته زمارة عبد الحليم ويغني بصوت حليم، ولما جاءت الحفلة ولم تكن هناك زمارة ولا أي شيء، شرح نبيل عصمت الموقف بأنها “كذبة أبريل”؛ وهكذا كان الهدف إحداث طرفة وإثارة شغف التساؤلات لدى الناس، ومن يدري؟ ربما قصد الكاتب الصحفي الكبير إثارة حاسة التساؤل النقدي واختبار قدرة الجمهور على اكتشاف الأكاذيب مبكرًا.
رغم براءة كذبة أبريل ومقصد إشاعة روح البهجة والسرور بين الناس، فإن رجال الأخلاق وعلماء الدين لم يتقبلوا أبداً أن يكون هناك كذب، ورفضوا بشدة حكاية الكذبة البيضاء. غير أن هناك من يصرون على جعل أبريل شهر الأكاذيب؛ كل يوم كذبة أو أكثر، أكاذيب ليست بيضاء، بل أكاذيب حالكة السواد.
هناك الآن أوركسترا ضخمة لأكاذيب أبريل؛ تابع -مثلاً- أنباء الصراع في المنطقة بين إيران من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر، هناك سيل من الأنباء والأخبار الكاذبة، هنا الكذب عمدي وممنهج، لكنه يُسمى “الحرب النفسية”، مقصود بها أن يهز كل طرف معنويات العدو ويدفعه إلى التراجع والتنازل، ومن ثم نيل مكاسب منه أو على حسابه دون قتال وخسائر في السلاح والأفراد.
في الداخل عندنا، شائعات لا تتوقف، الشائعة في جوهرها مجرد أكذوبة، يمكن أن تؤدي إلى اضطراب الرأي العام أو يحقق طرف ما من ورائها مكسباً مالياً سريعاً، يبرع في ذلك بعض التجار، وقد يكون الهدف والمكسب سياسياً يحققه حزب أو تيار سياسي ما أو جماعة إرهابية تريد ضرب مؤسسات الدولة وهز استقرارها. هذا النوع من الأكاذيب والشائعات اعتدنا عليه، ومن كثرته لسنوات صارت لدينا مناعة ضده.
أبريل هذا العام حمل لنا الكثير من المفاجآت والصدمات، وأيضاً الكثير من الأكاذيب. المفاجآت كانت في الظروف الجوية والعوامل المناخية التي أخذتنا من جو يفترض أن يكون ربيعياً إلى أمطار الشتاء الرعدية وسيوله الموحلة، وبعدها مباشرة إلى لهيب الصيف، وقلنا: الحمد لله، سبحانه مقلب الأحوال.
أما الأكاذيب فتأتي من أطراف عديدة، أبرزهم أولئك الذين يسوقون أنفسهم أمام الرأي العام بالولولة على الفقراء؛ الولولة بضاعتهم وكل ما لديهم، والطريف أن معظم هؤلاء من الأثرياء.. الأثرياء الجدد، ربما يريدون صرف النظر عن ثرواتهم ومن أين جاءت؟ بالبكاء والأسى على أحوالهم، قل: معايرة الحكومة والمجتمع بالفقر والفقراء.
في حياتنا الاجتماعية والسياسية، كان هناك اهتمام دائم بمواجهة الفقر والتعاطف مع الفقراء، من هذا المنطلق عرفنا صوراً عديدة للتكافل الاجتماعي ومعاونة الفقراء؛ القرآن الكريم حثنا على ذلك وقدمت الأحاديث النبوية لنا الكثير من قواعد وآداب التعامل مع الفقير، ثم هناك سير الصحابة والتابعين، فضلاً عن رجال الإصلاح الاجتماعي. وفي العصر الحديث تطورت الأمور وبات لدينا مصطلح “العدالة الاجتماعية”، عرفناه في أثناء الحرب العالمية الثانية؛ كان المقصود هو مواجهة الأفكار الماركسية التي عرفتها الحياة السياسية بعد ثورة سنة ١٩١٩. شهدت الحياة المصرية انخراط بعض أبناء الباشوات في الأفكار الماركسية للحد من التفاوت بين الفقراء والأغنياء، كانوا جادين في اختياراتهم ودفعوا ثمن ذلك، خاصة حين اصطدموا بأجهزة الدولة في الأربعينيات من القرن الماضي.
وجرت في النهر مياه كثيرة؛ جمعيات خيرية وأهلية مهمتها مواجهة الفقر ومشاكله الاجتماعية، مفكرون وكتاب ينادون بالإصلاح، ورجال اقتصاد يقدمون رؤى وأفكاراً يمكن الأخذ بها. الدولة بكل ثقلها تدخلت فكان مشروع “تكافل وكرامة” -لاحظ التسمية الدقيقة- ثم مشروع “حياة كريمة”، وهكذا خطوات عديدة ومتنوعة في أكثر من مجال؛ من الصحة والرعاية الطبية إلى التعليم وحتى إغلاق ملف الغارمين والغارمات.
وسط هذا كله، يطل علينا بعض الهذر السخيف؛ أناس لا يقدمون شيئاً سوى دموع التماسيح، والولولة على الفقراء، قل: إنه المزايدة على الحكومة أو محاولة التملق الرخيص لمشاعر البسطاء، ربما تكون أقرب إلى قنابل دخان تخفي أشياء يراد لها ألا تُعرف.
منذ سنوات قليلة كانت الولولة على أسعار ورق العنب؛ ذلك الورق ليس وجبة أساسية لدى الأسرة المصرية، هي وجبة رفاهية لدى البعض، يومها أطلقتُ عليهم “حزب ورق العنب”. الولولة هذه الأيام على سعر البطيخ، نعم البطيخ والعنب أيضاً. في ثقافتنا وحياتنا، البطيخ فاكهة صيفية، الموسم الحقيقي لها هو شهر يوليو ثم أغسطس حيث حرارة الجو، فاكهة تساعد على ترطيب الجسم، ويفضل تناوله مع الجبن. قبل يوليو أو بعد أغسطس يصبح طعمه غير مقبول، بالتعبير الشعبي “ماسخ”، فاكهة لا تؤكل في الشتاء ولا في الربيع.
ونظراً لوجود ثلاجات ضخمة لدى بعض التجار يتم تخزين بعض الفواكه وطرحها في غير موعدها الموسمي، ويرتفع السعر إلى عشرة أضعاف وربما أكثر؛ مثلاً في شهر يناير -عز الشتاء- تجد أمامك البطيخ والعنب والجوافة. كل هذه الفواكه ليست وجبة أساسية لدى الأسرة وليست في موسمها، وتطرح هكذا لتحقيق مكاسب مادية كبيرة. في الأسابيع الأخيرة امتلأت الأسواق بثمرة البطيخ في غير موعدها ولا وقتها، فلم يتجه إليها المشترون. لا ندري هل هي كميات مخزنة رُئي طرحها الآن حتى لا تتراكم مع المحصول الجديد؟ أم أنها نوعية جديدة لم يتم التعامل معها من قبل؟ وحيث إنها في غير الموعد فإن السعر مبالغ فيه، هنا يحكم المسألة قانون العرض والطلب.
أنصار وحزب الولولة يصرخون من معاناة الفقير من سعر بطيخة أبريل؛ يا للهول! ماذا يفعل الفقير أمام بطيخة أبريل؟ ترى هل نحن أمام محاولات ترويج ودعاية تتم لحساب تاجر بعينه أو تجار؟ هل نحن بإزاء محاولة استقطاب متابع نفر من هؤلاء واكتشف الزيف؟ هل هي عملية ابتزاز لمسؤول بعينه بقصد إخضاعه ونيل موافقته على أمر ما.. هل وهل..؟
عرفت الجنازات ولحظات الموت سيدات احترفن الولولة واللطم، تندرت الدراما بذلك كثيراً، يبدو أن الولولة انتقلت إلى مجال آخر، هذه المرة لا تقوم بها سيدات بائسات، بل رجال يحاولون أن يكونوا لامعين.
كل أبريل ونحن بخير.









