سلّط الدكتور أيمن الدهشان، خبير التنمية الإدارية والبشرية وعضو مجلس إدارة الأسرة العربية، الضوء على التحديات المرتبطة بقانون الأحوال الشخصية، مؤكدًا أن القضية لا تقتصر على نصوص قانونية قابلة للتعديل، بل تمتد إلى أبعاد إنسانية تمس استقرار الأسرة وتماسكها، خاصة في ظل تزايد معدلات الطلاق.
وأوضح أن مناقشة هذا الملف يجب أن تنطلق من فهم أعمق لتأثير الخلافات الأسرية على الأطفال، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة واقع جديد لا يستوعبونه، حيث يتحول الأب إلى «زائر» في نظرهم، بينما تعاني الأم من ضغوط نفسية واجتماعية متراكمة.
وأشار الدهشان إلى أن الإحصاءات المتداولة، والتي تشير إلى وقوع حالة طلاق مقابل كل ثلاث حالات زواج، تعكس خطورة الوضع وتأثيره المباشر على بنية الأسرة، مؤكدًا أن الطفل غالبًا ما يكون الطرف الأكثر تضررًا في هذه النزاعات.
وأضاف أن الأزمات الأسرية لا تنشأ بشكل مفاجئ، بل تتراكم نتيجة ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية متزايدة، لافتًا إلى أن العامل الاقتصادي يُعد أحد أبرز المحركات الخفية للخلافات، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم استقرار الدخول، وهو ما يؤدي إلى تضييق مساحات الحوار وتصاعد حدة النزاعات.
وأكد أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة الأحوال الشخصية يجب أن يعترف بدور الاقتصاد كعامل رئيسي في الأزمة، مشددًا على أن تطوير التشريعات، رغم أهميته، لن يكون كافيًا دون الاهتمام بإعداد الإنسان نفسيًا واجتماعيًا، باعتباره المحرك الأساسي للعلاقات الأسرية.
ودعا الدهشان إلى تحقيق توازن حقيقي في العلاقات بعد الانفصال، من خلال إعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة، بحيث يظل الأب شريكًا في التربية، والأم شريكًا في الاستقرار، مع التأكيد على أن الطفل ليس طرفًا في النزاع، بل مسؤولية مشتركة يجب حمايتها.
كما شدد على أهمية تطوير منظومة «الرؤية والاستضافة» بما يضمن الحفاظ على الكرامة الإنسانية للأطراف كافة، ويقلل من الاحتكاكات، ويُبقي على الروابط الأسرية في إطار صحي.
وطرح خبير التنمية البشرية عددًا من المحاور الإصلاحية، في مقدمتها إنشاء مراكز للتأهيل والتوافق الأسري لتجهيز المقبلين على الزواج نفسيًا واجتماعيًا، إلى جانب تطبيق برامج إلزامية قبل الزواج تتضمن مهارات إدارة الضغوط والتخطيط المالي وفهم طبيعة العلاقة الزوجية.
كما دعا إلى توفير برامج دعم ما بعد الانفصال، تشمل الإرشاد النفسي والأسري، وتعزيز ثقافة التربية المشتركة، بما يضمن حماية الأطفال من آثار النزاعات.
وفي السياق ذاته، أكد ضرورة تبني إصلاحات اقتصادية داعمة للأسرة، تتضمن نشر الوعي المالي، ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، وربط النفقة بالدخل الحقيقي بشكل عادل، إلى جانب تبني حلول حديثة تضمن انتظام سداد النفقة وتقليل الاحتكاك بين الأطراف.
وأشار إلى وجود عدد من الإشكاليات القائمة، أبرزها غياب معايير واضحة لتحديد النفقة وتأخر تنفيذها، وتحول «الرؤية» في بعض الحالات إلى تجربة إنسانية مؤلمة، فضلًا عن عدم ملاءمة أماكن الرؤية الحالية، ما يفقدها دورها التربوي ويجعلها إجراءً شكليًا.
واختتم الدهشان تصريحاته بالتأكيد على أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بتعديل القوانين فقط، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تقوم على الوعي الإنساني، والدعم الاقتصادي، والتشريع العادل، والتأهيل المستمر، مشددًا على أن حماية الأسرة تمثل حجر الأساس لبناء مجتمع مستقر، وأن الطفل، رغم كونه ليس طرفًا في النزاع، يظل الأكثر تأثرًا بنتائجه، ما يستدعي إطلاق حوار وطني شامل لمعالجة القضية من مختلف أبعادها.
عناوين بديلة مقترحة:









