جلست مع صديقى المقرب على المقهى الشهير فى حدائق حلوان. نفس الطاولة القديمة، رغم محاولات تزيينها، ونفس كوب القهوة، البن الغامق. لكن الحديث هذه المرة كان أثقل من الاثنين.
فتح صديقى هاتفه، ثم قال لي:
«شايف؟ بوست واحد قلب الدنيا علي…»
سألته: «طب هو حقيقي؟»
ابتسم ابتسامة فيها شيء من السخرية: «هو حد بقى بيسأل؟»
سكت لحظة، وراقبت الناس حولنا. الكل ممسك بهاتفه، كأن المقهى لم يعد مكانا للحديث، بل محطة لإعادة نشر ما يقوله الآخرون. قلت له:
«المشكلة مش فى «السوشيال ميديا»… المشكلة فينا».
رد بسرعة: «إزاي؟ دى منصات مفتوحة، أى حد يقول اللى عايزه!»
قلت: «بالضبط… من غير قواعد، من غير أخلاق أو قيم ، من غير ميثاق شرف. بقت ساحة، مش مساحة».
حكى لى موقفا:
«واحد صاحبى اتشهر بيه فيديو مفبرك… حياته اتقلبت فى يوم».
سألته: «والناس؟»
قال: «شاركت قبل ما تفهم… وهاجمت قبل ما تتأكد».
السوشيال ميديا بقت زى نار فى هشيم، لكن الهشيم هذه المرة هو سمعة الناس.. وللأسف عندما تنكشف الحقيقة تكون القصة الكاذبة انتشرت.
قلت له: «زمان كان الخبر له باب، وله مسئول، وله حساب. دلوقتى أى حد بقى ناشر وصحفى واعلامى وقاض فى نفس الوقت».
رد: «بس فى ناس شايفة ده حرية».
قلت: «الحرية من غير ضوابط… فوضي».
هز رأسه وقال: «طب نعمل إيه؟ نقفلها يعني؟»
ضحكت: «لا طبعا… دى بقت جزء من حياتنا. بس لازم نفهمها».
بدأنا نختلف، وده كان أجمل ما فى الجلسة.
هو شايف إن الحل فى قوانين صارمة:
«لازم عقاب واضح لأى حد ينشر كذب أو يشهر بالناس».
وأنا شايف إن القوانين لوحدها مش كفاية:
«القانون بييجى بعد الضرر… إنما الوعى يمنعه من الأساس».
قال: «طب والوعى ده هييجى منين؟»
قلت: «من التعليم، من الإعلام، من البيت… من كل واحد فينا قبل ما يضغط «نشر»».
رجعنا لنقطة أهم: الأخلاق.
قلت له: «فى حاجة اسمها ميثاق شرف… مش مكتوب، لكنه مفهوم».
سألني: «زى إيه؟»
قلت:
«ما تنشرش حاجة مش متأكد منها.
ما تجرحش حد لمجرد التسلية.
ما تستخدمش المنصة كسلاح».
ابتسم وقال: «كلام بسيط… بس محدش بيعمله».
رديت: «عشان الناس مستسهلة، ومحدش حاسس إن الكلمة بقت ممكن تدمر بنى آدم».
وقبل ما نقوم، قال جملة وقفت عندها:
«إحنا مش ضحايا السوشيال ميديا… إحنا اللى صنعنا شكلها».
دفعت الحساب، ومشينا، لكن الفكرة فضلت.
المسألة مش منصة سيئة أو جيدة… المسألة إننا بنتعامل معاها من غير مسئولية.
لو فضلنا ننشر بلا قواعد، ونهاجم بلا دليل، ونصدق بلا تفكير…
هنصحى يوم نلاقى الحقيقة نفسها تايهة، ومحدش عارف يفرق بينها وبين الكذب.
وساعتها…
مش هنسأل مين غلط،
هنسأل: إزاى وصلنا لكده؟









