حدث ذلك قبل سنوات لا اذكر عددها.. كان الرجل التسعينى يحصل على معاشه المحول على البنك.. من ماكينة الصراف الآلى المجاورة لبيته.. وكان يترك هذه المهمة لأحد ابنائه لأن صحته لا تساعده على الذهاب سيرا الى الماكينة والوقوف فى طابور الانتظار ولان يده المرتعشة لا تستطيع التعامل مع ازرار الماكينة.. ولكن فجأة انقطع المعاش ومر شهر وشهران وثلاثة دون وصول معاشه الى البنك.. فذهب بمساعدة ابنائه الى مكتب التأمينات الاجتماعية التابع له للاستفسار عن السبب.. فقال له الموظف ان الهيئة لا تعرف ما اذا كان لا يزال على قيد الحياة.. لأنه لم يذهب الى البنك منذ سنوات ولم يجر اى معاملة بشخصه وبعد اثبات هويته.. فقال له انه لا يزال على قيد الحياة وها هو امامه الآن وبطاقة الهوية تثبت شخصيته فهل سترسل الهيئة معاشه كالمعتاد.. فقال له الموظف وقد رفع حاجب السخرية الايسر: انا اعرف انك حى الآن ولكن الهيئة لا تعرف ذلك ولا تعترف بشهادتى والحل الوحيد المطلوب هو ان تحضر شهادة موقعة من اثنين موظفين ومختومة بختم النسر تثبت انك لا تزال على قيد الحياة.. على الرغم من انه من المفروض ان يخطر مكتب الصحة الذى تصدر عنه شهادة الوفاة.. البنوك والمعاشات والتأمين الصحى بوفاة صاحب العلاقة.. لكن المسافة بين المفروض والواقع كالمسافة بين الارض ومجرة درب التبانة.. ولنا ان نتخيل حجم معاناة الرجل المسن الذى قارب عمره المائة عام لاحضار مثل هذه الشهادة.. فعلاقته بعمله انقطعت منذ حوالى اكثر من اربعين عاما وزملاء العمل منهم من توفاه الله ومنهم من اصبح متقاعدا.. فى النهاية اضطر الى اللجوء الى أحد الجيران ليحضر له الشهادة مقابل مبلغ من المال.. وبالفعل حصل على شهادة موقعة من موظفين لا يعرفون عنه شيئا.
الحقيقة المؤكدة هى ان اصحاب المعاشات يعيشون ازهى عصورهم فى ظل الجمهورية الجديدة وتوجيهات الرئيس بالتيسير على المواطنين وتأكيده فى عشرات المناسبات على حق المتقاعدين فى الحياة الكريمة بعد ان قدموا للوطن خلاصة عمرهم وبعد ان امدوه بأبناء يشاركون فى مسيرة التنمية وصنع نهضة الوطن.. ولكن بعض الهيئات لا تزال تتعامل معهم بمنطق عهود مضت وبأساليب عفى عليها الزمن.. ومن هذه الهيئات هيئة التأمين الصحى التى تشترط تجديد بطاقة التأمين سنويا.
ولنا ان نتخيل رجلا فى السبعين او الثمانين من العمر مطلوب منه التوجه الى مقر التأمين الصحى فى المحافظة والوقوف فى طابور انتظار ليجدد بطاقته كشرط اساسى للحصول على الخدمات الصحية.
الهيئة تبرر ذلك بأن هناك ملايين المنتفعين من الشركات والمصالح الحكومية وأن المنتفع ربما يكون قد فصل من عمله او انتقل الى عمل حر او الى ادارة مشروع خاص به وبالتالى عليه ان يثبت كل عام استمرار علاقته بالعمل الذى تم التأمين عليه من خلاله.. وهى حجة معقولة ولكن فى المقابل تستطيع الهيئة اصدار بطاقة تأمين خاصة لاصحاب المعاشات لا تتطلب تجديدا سنويا تيسيرا على هذه الفئة فى سنوات عمرهم الاخيرة لانه ليس معقولا ان يذهب صاحب معاش لعيادة التأمين التابع لها فترفض علاجه لان بطاقته لم يتم تجديدها.. وربما تكون الهيئة لا تملك الموارد اللازمة لإصدار شهادة تأمين خاصة بالمتقاعدين.. هنا تستطيع ان تصدر تعليمات الى جميع العيادات والمستشفيات التابعة لها بعدم اشتراط تجديد البطاقة لأصحاب المعاشات.









