العالم مصاب بجلطة فى الشريان الهرمزى الذى أثر على تدفق التجارة والطاقة فى نصفه الشرقي، ومع اشتداد الأزمة وعدم القدرة على تفتيت الجلطة، ربما يصاب العالم بجلطة جديدة فى شريان جديد، وليس غريبًا أن يتحول اسم مضيق هرمز فى أيامنا هذه إلى كلمة السر التى تفتح بها نشرات الأخبار فى العالم كله. فذلك الشريط المائى الضيق، الذى لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات فى بعض مناطقه، أصبح كأنه صمام الحياة للاقتصاد العالمي. فإذا أُغلق المضيق ضاقت معه الصدور، وارتفعت أسعار النفط، وارتجفت الأسواق، وشقت الدول جيوبها خوفًا من العاصفة القادمة. وإذا فُتح، ولو مؤقتًا، تهللت الأسارير وعادت البورصات إلى شيء من الطمأنينة، وكأن العالم كله كان يحبس أنفاسه فى انتظار مرور ناقلة نفط أخرى بسلام.
>>>
لكن القصة، فى جوهرها، ليست قصة مضيق فقط. إنها قصة عالم يعيش لحظة ارتباك تاريخية، لحظة تتقاطع فيها السياسة مع الجغرافيا، ويصبح فيها الممر البحرى الضيق أكثر تأثيرًا من قرارات كثير من البرلمانات والمنظمات الدولية. فالمضايق البحرية لم تكن يومًا مجرد خطوط على الخرائط، بل كانت دائمًا مفاتيح القوة والنفوذ. ومن يقرأ التاريخ جيدًا يدرك أن الحروب الكبرى كثيرًا ما بدأت من بوابات مائية صغيرة.
>>>
عندما هاجمت اليابان ميناء بيرل هاربر عام 1941 لم تكن تضرب قاعدة عسكرية فحسب، بل كانت تفتح بابًا واسعًا لحرب عالمية ثانية ستعيد رسم خرائط القوة فى العالم. واليوم يعود التاريخ ليذكرنا بأن الممرات البحرية ليست مجرد طرق للملاحة، بل شرايين للاقتصاد العالمي. فقرابة خُمس تجارة النفط العالمية تمر من مضيق هرمز، وأى اضطراب فيه يرسل موجات صادمة إلى كل اقتصاد يعتمد على الطاقة.
>>>
لكن المفارقة أن الصراع الدائر حول المضيق اليوم يكشف أزمة أعمق من مجرد خلاف جيوسياسى إنه يكشف أزمة النظام الدولى نفسه ذلك النظام الذى نشأ بعد الحرب العالمية الثانية على قواعد القانون الدولى ومؤسسات الأمم المتحدة، يبدو الآن وكأنه يقف فوق ركامه الخاص القوانين التى كانت تنظم المرور فى المضايق، والاتفاقيات التى كانت تحمى حرية الملاحة، والمؤسسات التى كان يفترض بها أن تضبط إيقاع الصراعات، كلها تتعرض اليوم لاختبار قاس.
>>>
العالم لم يعد كما كان. لم تعد المؤسسات الدولية قادرة على فرض كلمتها كما كانت فى العقود الماضية، ولم تعد قواعد القانون الدولى محصنة من التمزيق. أصبحنا نرى القوى الكبرى تتعامل مع النظام العالمى كأنه ورقة تفاوض، لا إطارًا ملزمًا للجميع ومن هنا يصبح إغلاق مضيق أو تهديد الملاحة فيه مجرد عرض من أعراض مرض أكبر.
>>>
نحن، فى الحقيقة، نعيش مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الركام. ركام نظام عالمى قديم لم يعد قادرًا على إدارة التوازنات الجديدة، ولم يولد بعد نظام بديل يستطيع أن يملأ الفراغ. وفى مثل هذه اللحظات التاريخية تصبح الأزمات الصغيرة قادرة على إشعال حرائق كبري.
>>>
ولذلك فإن السؤال الحقيقى ليس: هل سيفتح المضيق أم سيغلق؟ بل السؤال الأهم هو: أى عالم سيولد من هذه الفوضي؟
>>>
هل نحن أمام مرحلة إعادة إعمار اقتصادية فى مناطق الصراع؟ أم أننا أمام مهمة أكثر تعقيدًا بكثير: إعادة إعمار النظام الدولى نفسه؟
>>>
فالعالم لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء مدن مدمرة فى غزة أو لبنان أو غيرهما، بل يحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء المؤسسات الدولية التى تصدعت، وإحياء قواعد القانون الدولى التى تمزقت، وترميم الثقة فى منظومة عالمية كانت، رغم عيوبها، تمثل الحد الأدنى من التنظيم للعلاقات بين الدول عندما يضيق المضيق، لا تختنق السفن وحدها… بل يختنق العالم كله بأسئلة المستقبل.









