إلى صاحبي الأستاذ بكلية الطب الذي وقف ذات يوم بدورة تدريبية جمعتنا سوياً ساخراً من المصطلحات والعبارات الفلسفية المبهمة والغريبة والغامضة والتي لا تقدم ولا تؤخر في حياة الناس أقدم أسفي على كلماته وأوضح له ولمن لا يعرف غير الشائع بين العامة عن الفلسفة.
علم الباثولوجيا هو علم الأمراض، وهو فرع حيوي من الطب يدرس طبيعة الأمراض وأسبابها والتغيرات الوظيفية التي تحدث في الخلايا والأنسجة نتيجة للإصابة.
ماذا يا صاحبي لو اعتبرنا أمراض الثقافة والمجتمع، أو الفكر أمراضاً عضوية تصيب المجتمع كما يصيب المرض شخصاً ما.
كيف تشخص الباثولوجيا الشعور بالاغتراب والرغبة في الانتحار التي تفاجئنا على فترات بـ”تريندات” تكتسح وسائل التواصل الاجتماعي، ماذا تقدم الباثولوجيا للناس خاصة الشباب الذي يضع قدماً في الماضي التراثي وأخرى في الحاضر المتوحش بجنون سرعته وتقنياته المذهلة فائقة الأداء والخطورة.
ماذا تقدم الباثولوجيا الفلسفية للشعور الجمعي والفردي بالفشل إزاء الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وتجاه تاريخنا العربي العريق المغلوب على أمره حالياً؟ تظل قضيتنا الأساسية في عالمنا العربي هي العجز الواضح عن تكوين أو صناعة إنسان عمومي قادر على فهم البيئة المحيطة به، وقد يكون الأمر راجعاً إلى ميراث من الفشل في صناعة الفهم الإنساني العام أو المشترك.
فالفرد صباحه كمساءه مستغرق في هم لقمة العيش والبحث عن الستر اليومي، يعمل كأداة في يد متطلبات الحياة واحتياجاتها دون أن يهتم بأنه جزء من كل لا يمثل كياناً واحداً بل جماعات أو مجموعات من الأفراد تائهين في صحراء عليهم التقدم إلى الأمام دون خريطة توضيحية لمسارات الحياة بل التقدم إلى الأمام على غير هدى وإلا الموت.
يطرح الفيلسوف الألماني “أكسيل هونيت” في كتابة “باثولوجيا العقل” أو أمراض المجتمع المعاصر صورة للصراع من أجل الاعتراف بوصفه محركاً أساسياً للتطور الاجتماعي والأخلاقي.
وأن غياب هذا الاعتراف يؤدي إلى تشوهات نفسية واجتماعية. لا تعاني المجتمعات الحديثة من أمراض عضوية تصيب الجسد فقط ويلزم معها علم الباثولوجي (الطبي) بل تعاني الأمرين من اضطرابات نفسية فردية وهياكل اجتماعية تحول دون تحقق الأفراد لذواتهم.
إن جوهر التشخيص الفلسفي الاجتماعي للشعور بالازدراء الذي يعاني فيه الأفراد هو تشخيص لأساليب الاحتقار والتهميش غير المرئية اجتماعياً والتي تمثل تجربة سلبية تؤدي إلى إتلاف فردي نفسي وعضوي للكيان الشخصي ثم إن معاملة الإنسان كشيء هو نتاج لنسيان أو تجاهل أساسي للاعتراف المتبادل، وهي تشخيص ناتج عن تحول البشر لأدوات يتم توظيفها عقلانياً.
إن الدعوة الأساسية للباثولوجيا الفلسفية هي عدم تحقق الكيان الشخصي أو الوعي الذاتي إلا من خلال الاعتراف به من قبل آخر عبر العلاقات الحميمة التي تشمل العائلة والأصدقاء تحت شعار الثقة بالنفس.
والاعتراف بالحق أو المساواة القانونية بين أعضاء المجتمع، والتي يمكن إيجازها باحترام الذات، وأخيرًا الاعتراف بقيمة مساهمات الفرد وإنجازه أو الاعتراف بالتقدير تجاه الذات صاحبي الأستاذ المحترم بكلية الطب، كيف تعالج الثقة بالنفس واحترام الذات وتقديرها مع كامل احترامي لعلاجك للمرض العضوي؟









