
تسيطر حالة من التضارب والغموض على مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، فبينما يصرح الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، بقرب التوصل لاتفاق، تعلن إيران عن إعادة اغلاق مضيق هرمز، فى اشارة إلى تباين واضح حول رؤية الطرفين للتسوية السياسية،
لا سيما حول قضايا محورية، أبرزها إعادة فتح مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووى الإيرانى. ففى أعقاب التصريحات الإيجابية التى خرجت من الجانبين خلال الساعات الماضية، أشارت طهران إلى استمرار الخلافات بشأن شروط الملاحة فى المضيق وحقها فى تخصيب اليورانيوم.. وفى المقابل، صرح ترامب عبر مقابلات أنه حصل على معظم مطالبه من إيران، التى شملت إعادة فتح هرمز، والتخلى عن اليورانيوم المخصب،
ووقف دعم الجماعات المسلحة فى المنطقة، فيما عاد ليهدد مجددًا بأن وقف إطلاق النار
قد لا يتم تمديده ما لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال اليومين القادمين.
فى تطور سريع للأحداث، أعلنت إيران إعادة إغلاق مضيق هرمز أمس ردا على ما وصفته باستمرار الحصار الأمريكى على موانئها، لتتراجع بذلك عن قرارها فى اليوم السابق الذى أعاد فتح هذا الممر البحرى الحيوي، مؤكدة على فرض قيود فيما يخص حرية الملاحة فى المضيق بعد أن اتهمت الولايات المتحدة بانتهاك الاتفاق حول إعادة فتحه.
وصرح المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء بإعادة إغلاق المضيق مرة أخرى وعودة الوضع إلى حالته السابقة، مؤكدا أن هذا الممر المائى الإستراتيجى سيبقى تحت الإدارة المباشرة للقوات المسلحة الإيرانية وخاضعا لرقابة مشددة.
وقال رئيس السلطة القضائية فى إيران غلام حسين محسنى إيجئي، أمس، إنه يجب محاكمة الولايات المتحدة وإسرائيل على ما وصفها بـ«جرائم الحرب» أمام المحاكم الدولية المختصة، من أجل «الحصول على التعويضات والأضرار والعقاب على ارتكاب هذه الجرائم».
وحول سريان الملاحة، قالت هيئة عمليات البحرية البريطانية إن زوارق مسلحة تابعة للحرس الثورى الإيراني، اعترضت ناقلة نفط على بعد 20 ميلا بحريا شمال شرقى سلطنة عمان، وأطلق عليها النار.
كما أجبر الحرس الثورى سفينتين هنديتين ــ احداهما ناقلة نفط عملاقة تحمل مليونى برميل من النفط العراقى على الرجوع خارج المضيق.
فى الوقت نفسه، أظهرت بيانات حركة السفن عن أن مجموعة تضم نحو 20 سفينة، من بينها حاويات وسفن شحن بضائع وناقلات نفط كبيرة، تحركت باتجاه المضيق، لكنها عادت أدراجها دون أن يتضح السبب.
من جانبها، أعلنت القيادة الوسطى الأمريكية «سنتكوم»، أمس أن قواتها تفرض حصارا بحريا على السفن من وإلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية.
وأضافت فى بيان أن 23 سفينة امتثلت لأوامر القوات الأمريكية بالعودة إلى إيران منذ بدء الولايات المتحدة حصارها على الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية.
ورداً على اغلاق المضيق، قال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أمس، إن إيران لن تنجح فى ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة، مؤكدًا أن طهران لا يمكنها «ابتزاز» واشنطن.
وأضاف ترامب للصحفيين فى البيت الأبيض: «نحن نتحدث إليهم. أرادوا أن يغلقوا المضيق مجددا.. ولا يمكنهم ابتزازنا».
وبشأن المحادثات بين واشنطن وطهران فى إسلام آباد قال ترامب: «نحن نتحدث معهم، والمحادثات الجارية مع إيران لا تزال فى مراحلها الأولية».
من جهة أخرى، كشف مسئولون أمريكيون، أمس، لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن الجيش الأمريكى يستعد لمداهمة الناقلات الإيرانية والسيطرة على سفن تجارية فى المياه الدولية، خلال الأيام المقبلة.
يأتى هذا التطور وسط اشارات كان قد ألمح بها الرئيس ترامب فى وقت سابق حول تطورات عظيمة بشأن إيران، ففى تصريحاته للصحفيين أثناء عودته إلى واشنطن قادما من فينيكس بولاية أريزونا، قال الرئيس الأمريكي: «يبدو أن الأمور تسير على ما يرام فى الشرق الأوسط مع إيران.. سنتفاوض مطلع الأسبوع. تم التفاوض على عدد من هذه الأمور والاتفاق عليها».
لكن على الرغم من ذلك، هدد ترامب بأنه قد ينهى وقف إطلاق النار مع إيران ما لم يتم التوصل لاتفاق طويل الأمد لإنهاء الحرب قبل انتهاء سريانه يوم الأربعاء، مضيفا أن الحصار الأمريكى على الموانئ الإيرانية سيستمر.
على الجانب الإيراني، أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، أمس، أنه لم يُحدد موعدا للجولة المقبلة من المفاوضات بين واشنطن وطهران التى تتوسط فيها باكستان، عقب فشل الجولة الأولى.
وقال زاده للصحفيين على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي: «لا يمكننا تحديد موعد ما دمنا لم نتفق على إطار العمل».
وأضاف: «نركز الآن على وضع اللمسات الأخيرة على إطار التفاهم بين الجانبين، مشدداً: «لا نرغب فى أى مفاوضات أو اجتماعات تؤول الى فشل يمكن أن يكون ذريعة لجولة أخرى من التصعيد».
فى هذا الصدد، قال مصدر باكستانى مطلع إن المفاوضات قد تسفر عن مذكرة تفاهم مبدئية، يتبعها اتفاق سلام شامل فى غضون 60 يومًا.
وفى وقت سابق، كان قد تحدث ترامب عن أنه لا يعتقد أن هناك خلافات جوهرية كثيرة مع إيران، حيث أشار إلى أنه لم تعد هناك أى نقاط عالقة تحول دون التوصل إلى اتفاق، مؤكدا أنه بات قريباً للغاية، وفقاً لما ذكرته وكالة فرانس برس.
وفى سلسلة منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وصف ترامب التطورات بأنها «يوم عظيم ورائع للعالم»، دون إعلان التوصل إلى اتفاق نهائى.
من جانبه، اتهم رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الرئيس ترامب بنشر معلومات كاذبة بشأن الاتفاقات بين الطرفين.
وكتب قاليباف فى صفحته على موقع «إكس»، أمس: «خلال ساعة واحدة، أدلى الرئيس الأمريكى بسبعة تصريحات، والسبعة كلها كانت كاذبة».
وأضاف قاليباف أن الأمريكيين لم ينتصروا فى الحرب، مشدداً على أنه إذا استمر الحصار من جانب البحرية الأمريكية فلن يظل المرور عبر مضيق هرمز حراً.
وأكد رئيس البرلمان الإيرانى أن الإبحار عبر مضيق هرمز سيتم بالتنسيق مع طهران، على طول الطريق الذى تحدده.
فى سياق آخر، لم يتضح حتى الأن كيف سيتعامل الجانبان مع البرنامج النووى الإيرانى الذى يعد نقطة خلاف رئيسية فى المحادثات ، إذ تدافع إيران عن امتلاك برنامج طاقة نووى مدنى.
وكانت قد اقترحت الولايات المتحدة فى المفاوضات السابقة تعليق جميع الأنشطة النووية الإيرانية لمدة 20عامًا، لكن مصادر مطلعة على المقترحات قالت إن طهران اقترحت تعليقا لمدة تتراوح بين ثلاثة وخمسة أعوام.
وقال ترامب لرويترز إن واشنطن ستخرج اليورانيوم المخصب من إيران، لكن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائى أكد للتليفزيون الرسمى أن هذه المواد لن تُنقل إلى أى مكان.
كما أضاف ترامب لرويترز أن الولايات المتحدة قد لا تتحرك بسرعة. وأضاف خلال مقابلة عبر الهاتف «سنبدأ العمل مع إيران بوتيرة هادئة، وسنبدأ الحفر باستخدام آلات ضخمة، وسنجلبه إلى الولايات المتحدة».
واستخدم تعبير «الغبار النووى» للإشارة إلى الآثار التى نتجت عن قصف الولايات المتحدة وإسرائيل لمنشآت نووية إيرانية فى يونيو من العام الماضي.
من جهة أخرى قال مسئول إيرانى كبير لنفس المصدر الإخبارى إن طهران تأمل فى إمكانية التوصل إلى اتفاق مبدئى خلال الأيام المقبلة.
وفيما يتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة، قال مسئول إيرانى كبير لرويترز إن هناك اتفاقا على رفع التجميد عن أصول إيرانية قيمتها مليارات الدولارات فى إطار اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، لكن دون أن يفصح عن إطار زمني.
و مع استمرار الهدنة والمفاوضات، أعلنت منظمة الطيران المدنى فى إيران، أمس، إعادة فتح جزء من المجال الجوى للبلاد، إلى جانب عدد من المطارات، وفق ما أوردت وكالة «مهر».
وأوضحت المنظمة أن «الممرات الجوية فى الجزء الشرقى من المجال الجوى للبلاد، مفتوحة لعبور الرحلات الدولية فوق الأجواء الإيرانية».
وأشارت إلى أن العمليات التشغيلية فى مطارات إيران سيتم استئنافها تدريجياً، بحسب الجاهزية الفنية والعملياتية للقطاعات العسكرية والمدنية.
كما أعلنت جمعية شركات الطيران، أمس، إعادة فتح ستة مطارات فى البلاد، وفق ما أوردت وسائل إعلام رسمية إيرانية.
وذكــرت الجمــعية أن المطارات المعنية بهذا القرار، مطــار الخمينى فى العاصمة طهران، ومطارات مهرآباد، ومشهد، وبيرجند، وجرجان، وزاهدان، مضيفة أن شركات الطيران تستعد لاستئناف الرحلات الداخلية والدولية.









