حين يستعيد المسرح براءة الطفولة ويوقظ إنسانيتنا المنسية فى عالم يزداد ضجيجاً، حيث تتزاحم الشاشات داخل غرف الأطفال، وتختزل الطفولة فى «نقرة» و»تمرير»، يبدو أن شيئاً ما قد سُلب من روح هذا الجيل… شيئاً لا يُقاس بالتكنولوجيا ولا يُعوَّض بالسرعة.. هنا وعلى خشبة مسرح عبدالمنعم مدبولي، تأتى مسرحية «لعب ولعب» كصرخة هادئة، لكنها عميقة الأثر تستعيد ما فقدناه دون أن نشعر.. بهجة اللعب، ودفء التفاعل، وصدق اللحظة الإنسانية.. هذا العمل الذى يحمل توقيع المبدع المخرج الكبير حسام عطا، لا يكتفى بتقديم عرض مسرحى تقليدي، بل يُشبه رحلة وجدانية عبر الزمن، يعود فيها الكبار أطفالاً، ويتعلم فيها الصغار كيف يكونون أطفالاً بحق.. منذ اللحظة الأولى يجد المشاهد نفسه أمام عالم نابض بالحياة، حيث تتعانق الأغانى الشعبية مع الألعاب التراثية فى مشهد أقرب إلى استدعاء ذاكرة وطن بأكمله.
«لعب ولعب» ليست مجرد استعادة للماضي، بل محاولة واعية لإنقاذ الحاضر.. فبينما تتسلل العوالم الرقمية إلى عقول الأطفال وتفرض نمطاً جديداً من العزلة الصامتة، يطرح العرض رؤية بديلة، اللعب كفعل إنسانى أصيل وكجسر يربط الطفل بذاته وبالآخرين.. وهى الفكرة التى تتقاطع بوضوح مع دعوة اليونسكو تحت شعار «أنا ألعب.. إذن أنا إنسان»، حيث يصبح اللعب ليس مجرد تسلية، بل ضرورة لبناء الوعى وتشكيل الهوية.. ومن أعمق ما يطرحه العرض، تلك الفلسفة البسيطة فى ظاهرها العميقة فى جوهرها أن اللعب هو المساحة الوحيدة التى تتلاشى فيها الفوارق.. فى ساحة اللعب لا مكان للطبقية، ولا معنى للاختلافات الدينية أو الاجتماعية.. هناك فقط إنسان صغير يضحك، يركض، يخسر، يفوز.. ويتعلم.. هكذا تتحول المسرحية إلى دعوة صريحة لإعادة بناء النسيج الوطنى من نقطة البداية الطفولة.. ويأتى الأداء التمثيلى ليمنح هذه الرؤية روحاً نابضة، حيث يتألق الفنان منير مكرم إلى جانب كوكبة من النجوم، فى لوحات مسرحية تجمع بين الخفة والعمق، بين الكوميديا والرسالة لا يعتمد الأداء على الإبهار البصرى وحده، بل على الصدق الإنسانى الذى يصل إلى القلب دون استئذان، فيضحك الأطفال بعفوية، بينما يبتسم الكبار بعيونٍ تلمع بشيء من الحنين.. الديكور، الموسيقي، الاستعراضات.. كلها عناصر تتكامل لتصنع حالة فنية متماسكة
لكن «لعب ولعب» لا يكتفى بإثارة الحنين، بل يضعنا أمام تساؤلات مُلحّة، كيف نُعيد التوازن بين العالمين الواقعى والافتراضي؟، كيف نحمى أطفالنا من عزلة تبدو ممتعة لكنها تُفرغ الروح؟، وكيف نُعيد للشارع ضحكته، وللحارة ألعابها وللطفولة معناها؟.. إنه عمل يُدرك خطورة اللحظة، ويُخاطب المجتمع بأكمله، لا الأطفال فقط.. فهو يُذكرنا بأن مسئولية إنقاذ الطفولة لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، بل هى مسئولية ثقافية ووطنية، تتطلب تكاتف المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسات الثقافية والإعلامية.. ومن هنا تبدو الدعوة إلى تعميم هذا العرض فى مختلف محافظات مصر ضرورة لا رفاهية، حتى يصل هذا النبض الإنسانى إلى كل طفل، فى كل قرية ومدينة وهذه دعوة لمعالى وزيرة الثقافة د.جيهان زكي.. كما أن توثيقه وبثه عبر وسائل الإعلام سيُسهم فى ترسيخ رسالته، وتحويله من عرض مسرحى إلى مشروع وعى متكامل وهذه مناشدة للكاتب الصحفى الكبير الأستاذ أحمد المسلمانى رئيس الهيئة الوطنية للإعلام.. فى النهاية، لا يمكن اختزال «لعب ولعب» فى كلمات.. فهو ليس مجرد عرض يُشاهد، بل تجربة تُعاش.. تخرج منه بشيء من الدفء، بشيء من الأمل، وربما بشيء من الحنين لطفلٍ يسكنك.. كان يعرف كيف يفرح دون سبب.. «لعب ولعب» لا تُعيد الأطفال إلى اللعب فقط، بل تُعيد إلينا إيماننا بأن الإنسان، فى جوهره، كائن خُلق ليفرح فدعوة لكل الاسر المصرية بمشاهدة هذا العمل الرائع.









