لم يعد السؤال اليوم: كيف نطوّر العمل العربى المشترك؟ بل أصبح السؤال الأكثر واقعية ومرارة: ماذا تبقّى أصلًا من هذا العمل؟
فالسنوات الأخيرة كشفت بوضوح أن المسافة بين الخطاب العربى المعلن وبين الواقع الفعلى أصبحت واسعة إلى حد يصعب تجاهله أوتزيينه بالعبارات الدبلوماسية.
>>>
اختلافات، وخلافات، وتباينات، ونزاعات، بل وصراعات حقيقية بين دول يفترض أنها تنتمى إلى منظومة واحدة، يقابلها فى العلن سيل من الكلمات والبيانات والتصريحات التى تحاول نفى هذا الواقع أو تجميله. ربما تكون هذه هى طبيعة السياسة فى كل مكان، وربما تكون أيضًا خصلة عربية اعتدناها؛ أن نختلف فى الواقع ونتفق فى البيانات.
>>>
لكن الحقيقة لا يمكن إخفاؤها طويلًا. فالمجموعة العربية لم تعد كتلة واحدة كما كانت تُصوَّر فى الخطابات. لم يعد يجمعها عدو واحد ولا صديق واحد، ولا مصلحة واحدة، ولا حتى حلم واحد. لقد تفرّعت المصالح وتباعدت الأولويات، وأصبح لكل دولة حساباتها الخاصة ورؤيتها لمصالحها الوطنية.
>>>
وإذا أردنا توصيف المشهد بقدر من الصراحة، فيمكن القول إننا أصبحنا أشبه بعائلة جمعتها النقمة وفرّقتها النعمة. حين كانت الأخطار مشتركة كنا أقرب إلى بعضنا البعض، لكن مع تباين الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية تباعدت المسارات وتباينت الحسابات.
>>>
غير أن البكاء على اللبن المسكوب لن يغيّر شيئًا. فالمرحلة التى نعيشها الآن هى مفترق طرق تاريخى يتطلب قدرًا أكبر من الواقعية والوضوح. وربما يكون الوقت قد حان للانتقال من مرحلة الشعارات العاطفية إلى مرحلة علاقات المصالح الواضحة المكتوبة بالورقة والقلم.
>>>
دعونا نسأل ببساطة ووضوح:
ماذا تريد مني؟
وماذا أريد منك؟
وهل ما تريده منى أستطيع تلبيته؟
وهل ما أريده منك تستطيع أن تقدمه؟
إن العلاقات الدولية فى كل مكان تقوم على المصالح المتبادلة قبل أى شيء آخر، وليس عيبًا أن نعترف بذلك بصراحة. فالمصالح الواضحة أكثر استقرارًا من العواطف المتقلبة، والاتفاقات المحددة أكثر صلابة من الشعارات الفضفاضة.
>>>
وليس معنى ذلك أن نتخلى عن فكرة التضامن العربى أو الروابط التاريخية والثقافية التى تجمعنا، بل أن نعيد صياغتها بصورة أكثر واقعية. فبدلًا من الحديث عن وحدة شاملة قد لا تتحقق فى الظروف الحالية، يمكن تفعيل شبكات واسعة من العلاقات البينية الاقتصادية والأمنية والتنموية بين الدول العربية وفقًا لمصالحها المشتركة.
>>>
لقد تغيّر العالم من حولنا بسرعة مذهلة، وتشكّلت تحالفات جديدة وتبدّلت خرائط النفوذ، بينما ما زال الخطاب العربى فى كثير من الأحيان أسير مفاهيم قديمة لم تعد تعكس الواقع.
>>>
إن المطلوب اليوم ليس جلد الذات، ولا التبرؤ من فكرة العمل العربى المشترك، بل إعادة تعريفه. إعادة رسم خريطة العلاقات العربية على ضوء الحقائق لا الأمنيات، وعلى ضوء المصالح الواقعية لا المجاملات السياسية.
>>>
فالأمم التى تتقدم هى تلك التى تمتلك شجاعة مواجهة الحقيقة، مهما كانت قاسية. أما تجاهل الواقع فلن يؤدى إلا إلى اتساع الفجوة بين الشعارات والحقائق.
>>>
ويبقى السؤال الأهم:
إذا كان العمل العربى المشترك قد تآكلت بعض أركانه، فكيف نحافظ على ما تبقّى منه قبل أن نفقده بالكامل؟
الإجابة تبدأ بالوضوح، ثم بالصدق، ثم بالعمل الجاد لبناء علاقات عربية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على العواطف العابرة أو الكلمات المنمقة.









