تعد المكتبة المركزية للمخطوطات الإسلامية بمسجد السيدة زينب (رضي الله عنها) صرحاً شامخاً يزخر بنفائس التراث وأوائل المطبوعات.
تمتد المكتبة على طابقين؛ الأول بمساحة 600 متر ويضم قاعة الاطلاع الرئيسية والمكتبة الرقمية وأقسام الفهرسة والترميم، بينما خُصص الطابق العلوي (400 متر) للباحثين وقسم المخطوطات النادرة وقاعة الحفظ المؤمنة.
من أسفل المنابر إلى الرقمنة: رحلة الإنقاذ
جاءت فكرة إنشاء المكتبة عام 1994 وخرجت للنور عام 2004، لجمع المخطوطات التي كانت مبعثرة أسفل منابر المساجد الكبرى، وفي غرف الأئمة، ومقابر الأسرة العلوية.
وفي إطار مواكبة التطور التكنولوجي، قررت وزارة الأوقاف تحويلها إلى مكتبة رقمية بالكامل، حيث يتم تحويل المخطوطات إلى صيغة (PDF) لتيسير وصول الباحثين إليها وحماية الأصول من التلف.
وفي جولة لجريدة “الجمهورية”، أوضح د. حسن خليل، مدير المخطوطات بالأوقاف، أن المكتبة تضم أكثر من 12 ألف مخطوط، جُمعت من مساجد تاريخية مثل (المسجد الأحمدي بطنطا، المرسي أبو العباس والنبى دانيال بالإسكندرية، ومسجد المحلى برشيد)، مؤكداً أن المكتبة تمثل “لمسة حضارية” لإنقاذ تراث كان معرضاً للضياع بسبب ظروف التخزين غير الملائمة.
أسرار المخطوطات: “التعاويذ” وحساب الجمل
كشف د. حسن خليل عن تفاصيل مثيرة أثناء جمع المخطوطات، حيث وُجدت نسخ يعود عمرها لأكثر من 400 عام. وأشار إلى استخدام الخبراء لنوع الورق والخط (مثل النسخ، الرقعة، التعليق، وخط العجم غير المنقوط) لتحديد تاريخ المخطوطات المجهولة.
ظواهر فريدة في المخطوطات:
- تعاويذ الحماية: وجود كلمات مثل “اخيله” في نهاية المخطوط، وهي تعويذة يضعها الناسخ لحماية المفرط من التلف.
- حساب الجمل: استخدام كلمة “هلعم” كحساب رقمي للأحرف الأبجدية (من 1 إلى 1000).
هندسة الترميم: إحياء “الكائن الحي”
أوضح الأستاذ ياسر إسماعيل، بقسم الترميم، أن المخطوط يُعامل كـ”كائن حي”. تمر عملية الترميم بمراحل دقيقة:
- التعقيم والتنظيف: باستخدام فُرش خاصة لكل ورقة على حدة.
- الترميم اليدوي والآلي: استخدام ألياف وعجائن ورقية من نفس نوعية ورق المخطوط الأصلي، مع إضافة مادة بلاستيكية تُفك بـ “الأسيتون” لحماية الأحبار أثناء الغسيل بالماء.
- التجفيف والكبس: استخدام قماش “الأورجانزا” وفوط لامتصاص المياه قبل التجليد النهائي والحفظ في صناديق كرتونية خالية من الحموضة.
التحول الرقمي وقواعد البيانات الذكية
أشارت المهندسة غادة عبد الحليم، مسؤولة التحول الرقمي، إلى أن الرقمنة لم تكن مجرد تصوير، بل بناء قاعدة بيانات ذكية تتيح للباحث البحث بالكلمة والمؤلف. وتم الانتهاء من رقمنة 2000 مخطوط من إجمالي 6 آلاف جارٍ العمل عليها، أغلبها يعود للعصر المملوكي.
اللجان العلمية: استخراج الكنوز وفك الغموض
يعمل فريق من الأمانة العلمية بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (يضم د. سامي علي، د. إبراهيم نجم الدين، ود. يوسف مصطفى) على:
- التحقيق والمقابلة: مقارنة النسخ المختلفة للمخطوط للوصول إلى “النسخة الأم”.
- تبسيط التراث: إعادة صياغة الكتب ذات الأساليب المعقدة لتناسب القارئ المعاصر.
- الحصر التاريخي: جمع الكتب التي مر على طباعتها أكثر من 200 عام لتصنيفها كـ “نوادر”.
أبرز المقتنيات النادرة
تفتخر المكتبة بحفظ نماذج لا تقدر بثمن، منها:
- مصحف سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): المحفوظ سابقاً بالمسجد الحسيني، بتجليد عثماني قديم.
- مصحف سيدي عطية أبو الريش: يعود للقرن العاشر الهجري، وينفرد بالجمع بين النص والتفسير وعلم القراءات، وخاتمة فريدة لحصر حروف القرآن الكريم.
- مخطوطة ابن جرير الطبري: أقدم مخطوطة بالمكتبة، يعود تاريخ نسخها تقريبًا إلى عام 294 هـ.
واختتم محمد مدحت، مسؤول إدارة المكتبة، بالتأكيد على أن المخازن تخضع لرقابة صارمة ودرجات حرارة ثابتة (بين 20 و25 درجة مئوية) لضمان بقاء هذا التراث العالمي للأجيال القادمة.













