في الأول من أبريل الجاري، احتفلت كلية طب الأسنان بجامعة القاهرة بمؤيتها عبر مؤتمر سنوي ضخم.. مناسبة تستحق التوقف، حضرها وفود علمية رفيعة، وأُقيمت بها 44 ورشة عمل، ما يعكس جهدًا تنظيميًا كبيرًا.. لكن، وعلى الرغم من هذا الزخم، بقي السؤال الأهم بلا إجابة: ماذا بعد؟
لم تُعلن توصيات واضحة، ولم تُطرح آليات تنفيذ، وكأن الحدث انتهى بانتهاء مراسم الافتتاح.. غاب الأثر، وغابت معه القيمة الحقيقية لأي مؤتمر يُفترض أنه وُجد ليصنع فارقًا، لا مجرد صورة تذكارية.
والأكثر إثارة للدهشة هو غياب الطالب- الطرف الأهم- عن المشهد؛ فلا حضور حقيقي لطلاب السنوات الدراسية، ولا نقاش جاد لمشكلاتهم، خاصة في تخصص يتسم بارتفاع تكاليفه الدراسية، التي تحتاج إلى حلول ابتكارية لتخفيف الأعباء.
إن مؤتمر “أسنان القاهرة” ليس إلا نموذجًا متكررًا في غالبية كلياتنا التي تقيم فعاليات غير مرتبطة بالمشكلات المجتمعية، أو بخطة سنوية ذات أهداف قابلة للقياس؛ فلا نعرف في العام التالي ماذا تحقق، ولا لماذا أخفقنا.
هذا الواقع ذكرنى بمقولة لقيادة صحيفة كبري، قال فيها إنه لم يكن يعلم قبل توليه منصبه أن مصر تضم هذا الكم الضخم من المهرجانات الثقافية والفنية.. لكن الحقيقة أن مصر تضم أضعاف تلك المهرجانات من المؤتمرات العلمية الجامعية بلا أثر، ولا يسمع عنها أحد، باستثناء القائمين عليها.
فالترشيد الذي تنشده الدولة لا ينبغي أن يُختزل في “إطفاء الأنوار”، بل في “تعظيم العائد”؛ أي ألا يُنفق قرش واحد إلا إذا كان سيبني مهارة طالب أو يحل مشكلة مجتمعية او صناعية.
ومن هنا تأتي حاجتنا الملحّة إلى “خريطة قومية للمؤتمرات الجامعية” تضعها وزارة التعليم العالي؛ خريطة تنهي حالة العشوائية و”التكرار الموضوعي”، وتحول هذه الفعاليات من “سياحة أكاديمية” إلى “مختبرات حلول” مرتبطة بقضايا التنمية الوطنية.
وإذا كان هذا الحديث يخص حدثًا مضى، فإننا نفتح نافذة للأمل في حدث قادم؛ وهو “ملتقى التدريب والتوظيف بكلية الإعلام” المنتظر انعقاده اليوم ضمن فعاليات ملتقي التوظيف لجامعة القاهرة
والأمل أن ينجح هذا الملتقى- الجديد من نوعه- في كسر القاعدة، فلا يكون مجرد منصة كلمات، بل مساحة حقيقية لربط الطلاب بسوق العمل، عبر علاقات إنسانية وخبرات تُنقل بصدق.
الطلاب اليوم لا يحتاجون إلى نصائح تقليدية، بل إلى من يمد لهم يدًا، ويؤكد لهم أن “الطريق ليس مغلقًا”.. فالعالم تغير، والفرص لم تعد حبيسة الجغرافيا لمن يمتلك اللغة والمهارة والقدرة على التعلم المستمر.
يحتاحون لمن يقول لهم أن الالتزام والجدية هما أساس النجاح، وأن بناء العلاقات الإنسانية قبل المهنية يمثل نصف الطريق نحو المستقبل.
في النهاية، تبقى البوصلة الحقيقية بسيطة: أن تعمل بإخلاص، وأن تبتغي رضا الله، وأن تحمل في قلبك حب هذا الوطن.
أما الإعلام- ورقيًا كان أو رقميًا- فلا يموت، بل يتجدد ويتطور.. تمامًا كما يجب أن تتجدد أحلام شبابنا لتواكب مهارات عصر الإعلام الرقمي العابر للقارات.









