لم تعد تذكرة الدخول إلى العيادات الطبية الخاصة مجرد خطوة أولى نحو التعافي، بل تحولت إلى عبء مادي ونفسي يسبق ألم المرض نفسه.. فقد خرجت مؤخرا أسعار الكشف الطبي عن سياقها الإنساني، لتتحول إلى حِمل إضافي لا يراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمرضى في ظل غياب الدور الرقابي، والقواعد المنظمة للمهنة.
وباتت “الفيزيتا” هي بعبع المرضى.. لا يعلمون لها أساس ولا قاعدة .. يحددها الطبيب “على مزاجه”.. يحتكم لمضاربات العرض والطلب، درجته العلمية، خبراته، مكان العيادة ومدى الإقبال عليها، وتكلفة التشغيل، وخلافه.. هذا كشفه 500 جنيه وذلك الشاطر 1000 بينما المشاهير بـ 2000 جنيه ومضاعفتها، والمفاجأة في الزيارة المنزلية “ربنا ما يحوجنا لأسعارها الخزعبالية” والتي تراوحت ما بين ألفين إلى 3 آلاف ويزيد، ولا عزاء للمرضى غير القادرين.. يدفعون ضريبة المرض “فاتورة” ما انزل الله بها من سلطان.
لن ننكر أن هناك أطباء ممن هم على شاكلة الدكتور محمد مشالي “طبيب الغلابة” يراعون ظروف المرضى وتكاليف المعيشة.. ولا ننكر أيضًا أن هناك زيادة في إيجار العيادة، وأسعار المستلزمات الطبية والأجهزة، وتكلفة تشغيل العيادة، مرافق وخدمات وسكرتارية.. ولكن ليس بهذه الدرجة التي وصلت لمضاعفة أسعار الكشف وفرض رسوم غير مبررة على الاستشارة الطبية، قد تصل إلى نصف قيمة الكشف تقريبا.. فبحسبة بسيطة.. لأحد العيادات التي يصل كشفها إلى 500 جنيه فقط وباعتبار أن هناك 20 حجزا فقط أيضًا، من بينهم 15 كشفًا جديدًا و5 استشارة فإن الحسبة قد تصل إلى 8 آلاف جنيه يوميا في 26 يوما ليصل الإجمالي، بسم الله ما شاء الله، إلى 195 الف شهريا وذلك من عيادة واحدة.. فأين الطبيب الذي يدفع هذا المبلغ كنفقات شهرية.. وهل يلتزمون بدفع ما عليهم من ضرائب للدولة؟
يا سادة ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.. فلم يعد الخوف من المرض هو الشغل الشاغل للمواطن حاليا فتكاليف رحلة العلاج أصبحت أصعب بكثير فالتداوي من دور برد بسيط أصبح يتخطى الألف جنيه بداية من الكشف مرورا بالتحاليل والأشعة ووصولا للعلاج ثم الاستشارة.. أين الرحمة والإنسانية؟
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا الفرق الشاسع بين كشف طبيب في “التجمع أو الشيخ زايد” وبين أطباء “المناطق الشعبية”، ولماذا لا يكون هناك “تسعيرة جبرية” او استرشادية للخدمات الطبية الخاصة، خصوصا وان هناك عشرات الآلاف من العيادات على مستوى الجمهورية يزورها ملايين المرضى وأين دور نقابة الأطباء ووزارة الصحة والعلاج الحر في وضع ضوابط منظمة لتلك الأزمة؟
نحن لا ننكر أهمية القطاع الخاص وعياداته ومستشفياته ودوره الرئيسي في تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية ودائما ما تؤكد الدولة على أنه شريكًا أساسيًا في تطوير المنظومة الصحية، ولكن بشرط الالتزام بالشفافية وعدم استغلال المرضى.
ولأن الشئ بالشئ يذكر فلن نغفل دور الدولة التي تسابق الزمن لتعميم منظومة التأمين الصحي الشامل والتي تلعب دورا مهما كبديل للعيادات الخاصة، والقضاء على استغلال بعض الأطباء، فهي حجر الزاوية في إصلاح هذا الخلل بالقطاع الخاص ، وتهدف بشكل أساسي إلى فصل “طلب الخدمة” عن “القدرة المالية”، مما يرفع عن كاهل المواطن عبء “الفيزيتا” والعلاج، دون التفرقة بين غني وفقير.. كما تتحمل الدولة غير القادرين، مما يضمن وصول الخدمة لمن هم أكثر احتياجاً دون تحملهم أي أعباء مادية.
اتمنى سرعة الانتهاء من المنظومة الجديدة لإعادة الوجه الإنساني لمهنة الطب واستبدال “سعر الفيزيتا” بنظام تكافلي اجتماعي، يضمن حق المواطن في العلاج بغض النظر عن المستوى المادي والاجتماعي.








