- المساكنة والمثلية.. مصطلحات دخيلة تفرغ الأسرة من مضمونها
- نحتاج خطابًا علميًا رشيدًا يواجه التحديات المعاصرة ويعيد تصحيح المفاهيم المغلوطة
- الشريعة الإسلامية حافظت على قوام الأسرة حتى في أشد حالات ضعفها
- مطلوب مواجهة جرائم العنف والابتزاز الإلكتروني التي تستهدف كيان الأسرة
- غياب الحوار وتراجع دور القدوة.. سر ابتعاد الأبناء عن القيم الأصيلة
آفات اجتماعية خطيرة انتشرت مؤخرا وتسببت بشكل مباشر في تصدع كثير من الأسر المصرية وارتفاع معدلات الطلاق بنسب مرعبة تهدد استقرار المجتمع إما بسبب عدم إدراك أحد طرفي العلاقة الزوجية لواجباته ومسئولياته، أو بفعل تراجع بعض القيم والمبادئ الدينية كالمسئولية والقوامة.
من هذا المنطلق عقدت كلية الشريعة والقانون بالقاهرة مؤتمرها العلمي الدولي السادس بعنوان: “نحو بناء مجتمع متماسك.. حماية كيان الأسرة في مواجهة التحديات المعاصرة”تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب – شيخ الأزهر الشريف، وبالتعاون مع كلية القانون بجامعة السلطان أجونج الإسلامية بإندونيسيا، تحت عنوان: “نحو بناء مجتمع متماسك.. حماية كيان الأسرة في مواجهة التحديات المعاصرة”.
خلال كلمته في المؤتمر أكد الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية أن الشريعة الإسلامية راعت بناء الأسرة على أسس راسخة، فجعلت الزواج ميثاقًا غليظًا يقوم على المودة والرحمة وحفظ الحقوق، وأمرت بتوثيقه صونًا للأنساب والحقوق، امتثالًا لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، كما أقرَّت مبدأ الاستمرار في العلاقة الزوجية وحاربت كل صور العبث بها، مؤكدًا أن النفقة والمعاشرة بالمعروف تمثلان ضمانتين أساسيتين لاستقرار الحياة الأسرية.
و أشار مفتي الجمهورية إلى أنَّ من أخطر التحديات التي تواجه الأسرة في العصر الحاضر ما يتعلَّق ببعض الأعراف السلبية كالمغالاة في المهور والإسراف في تكاليف الزواج بما يحول دون إقبال الشباب عليه ويهدد قيم العفة والاستقرار، مؤكدًا أن التيسير في الزواج من مقاصد الشريعة التي تجلب البركة وتحقق السكن النفسي والاجتماعي، مستدلًّا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِن أعظم النِّسَاء بركَة أيسرهن صَدَاقًا». مضيفًا أن المجتمع يشهد عددًا من الظواهر المقلقة، مثل الطلاق الصامت وغياب المودة والتراحم بين الزوجين رغم استمرار العلاقة الشكلية.

التقنيات الحديثة.. تفكك الروابط الأسرية
حذر المفتي من سوء فهم معنى القوامة وتحويله إلى وسيلة للتضييق بدلًا من كونه مسؤولية قائمة على الرعاية والتكامل، لافتًا الانتباه إلى التأثيرات السلبية لبعض استخدامات التقنيات الحديثة التي أسهمت في تفكيك الروابط الأسرية وإضعاف التواصل الإنساني، محذرًا من خطورة المصطلحات الدخيلة التي تسعى إلى تفريغ مفهوم الأسرة من مضمونه، كالمساكنة والمثلية، وما يرتبط بها من سلوكيات تهدد القيم المجتمعية، وتؤدي إلى نشر العداوات والتفكك الاجتماعي وأكل أموال الناس بالباطل، وفي هذا الصدد أكَّد الدكتور نظير عياد أن الشريعة الإسلامية حافظت على قوام الأسرة حتى في أشد حالات الضعف التي قد تصيبها كالطلاق أو الوفاة، ووضعت منظومة دقيقة من الأحكام، مثل الميراث وتنظيم الحقوق بما يضمن تحقيق العدالة وحماية الأطراف المختلفة ويحد من النزاعات.

تفعيل دور المؤسسات الوطنية في حماية الأسرة
وفي ختام كلمته قدَّم الدكتور نظير عياد عددًا من التوصيات المهمة التي تؤكد ضرورة التحرك العملي لمواجهة التحديات المعاصرة للأسرة، حيث دعا إلى إطلاق برامج توعوية متكاملة تستهدف الحد من ظاهرة الطلاق الصامت وتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة والعمل على ضبط الخطاب الإعلامي المتعلق بالقضايا الأسرية بما يعكس القيم الأصيلة ويحترم الخصوصية المجتمعية. كما أوصى بضرورة تحقيق التكامل بين كليات الشريعة والقانون وكليات الحقوق في تناول القضايا الأسرية بما يجمع بين التأصيل الشرعي والمعالجة القانونية إلى جانب تطوير المناهج التعليمية قبل الجامعية لترسيخ قِيَم الأسرة والانتماء منذ الصغر. وشدد على أهمية مواجهة جرائم العنف والابتزاز الإلكتروني التي تستهدف كيان الأسرة مع العمل على تنظيم الفضاء الرقمي وتجريم الممارسات التي تؤدي إلى التفكك المجتمعي، داعيًا إلى تفعيل دَور المؤسسات الدينية والإعلامية والتربوية في حماية الأسرة وصيانة المجتمع.

تحديات غير تقليدية
الدكتور عطا عبد العاطي السنباطي – عميد كلية الشريعة والقانون بالقاهرة ورئيس المؤتمر، أكد أن الأسرة تمثل اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وأن الشريعة الإسلامية أولت هذا الكيان عناية فائقة، وأوضح أن التحديات المعاصرة، خاصة المرتبطة بالتكنولوجيا والرقمنة، أفرزت أفكارًا تهدد استقرار الأسرة، وهو ما دفع المؤتمر إلى طرح خمسة محاور علمية تهدف إلى توعية المجتمع وحماية هذا الكيان.
على هامش فعاليات المؤتمر تم توقيع بروتوكول تعاون مشترك بهدف تعزيز أوجه التعاون المشترك في المجالات العلمية والتدريبية والبحثية وتبادل الخبرات القانونية والشرعية بما يسهم في دعم قدرات الكوادر القانونية ورفع كفاءتهم المهنية وربط الدراسة الأكاديمية بالتطبيقات العملية داخل مؤسسات العدالة.


وفي ختام المؤتمر، تم تكريم عدد من الشخصيات البارزة؛ حيث قام كل من الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني، والدكتور سلامة داود، والدكتور عطا السنباطي، بتكريم الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف تقديرًا لجهوده في دعم قضايا المجتمع وتعزيز استقرار الأسرة، كما كرم الدكتور سلامة جمعة داود رئيس جامعة الأزهر، والدكتور عطا السنباطي عميد كلية الشريعة والقانون مفتي الجمهورية؛ تقديرًا لجهوده العلمية والدعوية وإسهاماته في ترسيخ الوعي الديني وخدمة قضايا الأسرة والمجتمع، حيث أُهدي درع كلية الشريعة والقانون تكريمًا لمسيرته ودوره في دعم القضايا الفكرية والشرعية وتعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والأكاديمية.

عقد المؤتمر بمشاركة الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف والدكتور محمد الضويني – عضو هيئة كبار العلماء، نائبًا عن فضيلة الإمام الأكبر، و الدكتور نظير عياد – مفتي الجمهورية، والمستشار حسين مدكور – رئيس هيئة قضايا الدولة، والدكتور محمد الجندي – أمين عام مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور علي جمعة – عضو هيئة كبار العلماء، والدكتور شوقي علام – رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشيوخ، و الدكتور نصر فريد واصل – مفتي الجمهورية الأسبق.
كما شارك الدكتور سلامة داود – رئيس جامعة الأزهر، والأستاذ الدكتور رمضان الصاوي – نائب رئيس الجامعة للوجه البحري، والدكتور محمود صديق – نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث، إلى جانب نخبة من القيادات العلمية والدعوية، وعمداء الكليات، وأساتذة الجامعات، والباحثين.









