يا قلبي لا تحزن… في ظل ما يُتداول من شائعات حول تعديل قانون الأحوال الشخصية، وحد أدنى للنفقة يصل إلى عشرة آلاف جنيه، وحديث عن ثلث ثروة للمطلقة، أصبح المشهد عند البعض أقرب إلى «سيناريو درامي» منه إلى نقاش قانوني منضبط.
في زمنٍ أصبح فيه قرار الزواج يحتاج إلى «دراسة جدوى» لا تقل تعقيدًا عن إنشاء مصنع، يجلس الرجل المصري أمام نفسه ليسأل: «أتجوز… ولا أفتح مشروع أقل خسارة؟!»
وفي زمنٍ أصبحت فيه الحياة الزوجية تحتاج إلى «آلة حاسبة» قبل أن تحتاج إلى قلب، يقف الرجل حائرًا أمام ما يُثار حول قانون الأحوال الشخصية… ليس لأنه يرفض العدل، ولكن لأنه بدأ يشعر أن «فاتورة الزواج» تُكتب بأرقام كبيرة، وتُطلب بواقع لا يشبه واقع أغلب الناس.
تخيل رجلًا في مقتبل عمره يحلم بالاستقرار، فيفاجأ بقائمة التزامات طويلة: نفقة، مؤخر، قائمة، وأرقام يُقال إنها قد تبدأ من عشرة آلاف جنيه، وكأننا نتحدث عن اشتراك في نادٍ فاخر، لا عن بيت بسيط يُبنى على المودة.
- هنا يطرح السؤال نفسه:
- هل يُشرّع القانون لواقع المجتمع… أم لواقع افتراضي لا يعكس ظروف الناس؟
- وهل المطلوب من الرجل أن يُقبل على الزواج بحب… أم بإقرار مالي مسبق؟
المشكلة ليست في مبدأ النفقة، فهي واجب شرعي وقانوني لا خلاف عليه، لكن الإشكال يظهر حين تُطرح أرقام جامدة لا تراعي تفاوت الدخول ولا ظروف البدايات، فتتحول المسألة من التزام إلى عبء ثقيل قد يُعيد كثيرين إلى التفكير قبل الإقدام على الزواج.
وهكذا لم يعد المشهد عاطفيًا كما كان، بل أصبح حسابيًا بامتياز: نفقة، مؤخر، التزامات متراكمة… حتى صار البعض ينظر إلى الزواج وكأنه عقد مالي طويل الأمد أكثر منه علاقة سكن ورحمة.
أما ما يُثار حول “ثلث الثروة للمطلقة”، فإن صحّ طرحه أو حتى مجرد تداوله، فإنه يفتح بابًا واسعًا للجدل، لأن العلاقة الزوجية ليست شركة تُصفّى عند الانفصال، بل ميثاق يقوم على المودة والرحمة، لا على تقسيم الثروات بنسب مالية جاهزة.
والأخطر من ذلك أن بعض الطروحات تتعامل مع الرجل وكأنه الطرف الوحيد المسؤول في كل حالات الطلاق، وكأن العلاقة الإنسانية لا تحتمل إلا تفسيرًا واحدًا، بينما الواقع أكثر تعقيدًا بكثير، والمسؤولية فيه غالبًا مشتركة أو متبادلة.
النتيجة الطبيعية لهذا المشهد هي حالة من التوتر العام:
رجل يتردد، وامرأة تقلق، وأسرة تُبنى على الحسابات بدل الطمأنينة. وهنا تتحول القضية من «حقوق» إلى«مخاوف»، ومن «تشريع» إلى «اضطراب اجتماعي».
لسنا ضد حقوق المرأة، ولا ضد حماية أي طرف، لكننا مع حماية الأسرة كاملة، لأن العدالة لا تعني الانحياز، بل تعني التوازن الذي يشعر فيه كل طرف أنه ليس وحده من يتحمل العبء.
وفي النهاية، قد تبقى هذه الطروحات محل جدل واختلاف، لكن السؤال يظل حاضرًا بثقل واضح:
بِمَن يستغيث الرجل… إذا شعر أن المطالبة بالمساواة قد تُترجم إلى أعباء لا إلى توازن؟
ويبقى الأمل أن أي تطوير للتشريع يقوم على الواقع لا على المبالغة، وعلى العدالة لا على صناعة القلق.
وللحديث بقية في سلسلة المقالات القادمة، إلى أن يتحقق الاكتفاء بمساواة المرأة بالرجل دون أن تمتد المطالبة لمساواة الرجل بالمرأة.
حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا.









