فى بداية ظهور هذا المخلوق العجيب الذى سلبنا عقلنا.. وسيطر على حياتنا وأخذ كل أوقاتنا.. كان مصدر تسلية.. تقلب فى صفحاته فتسافر معه إلى برج إيفل.. وتشاهد شوارع ومعالم عاصمة الجن والملائكة..باريس الساحرة.. بمتاجرها وشوارعها.. ثم تنتقل إلى عاصمة الضباب ومعالمها الشهيرة.. فاذا ما شاهدت الطقوس الهندية والتنوع الثقافى العجيب تشعر أن العالم بحق قرية صغيرة.. وانك تملك بين يديك هذا المرشد السياحى الذى يطوف بك انحاء العالم.. ويطلعك على كل جديد من حولك.. لماذا تحول هذا الاختراع العجيب إلى طاقة سلبية.. ومصدر اكتئاب.. ومشاعل أحزان ونوات كوارث.. فاذا فتحت عينيك.. وامسكت بهذا الصغير الاقرب إليك والاسرع من كل وسائل الاعلام لتطلع على أى جديد.. يصدمك بخبر محزن أو كارثة غير مسبوقة.. أو جريمة تفوق فى نسجها أفعال الشياطين.. فتتسارع ضربات قلبك ويرتفع ضغطك ويتوتر جسدك ويسيطر عليك شعور كئيب.. يظل ملازمك طوال النهار.. فلا تحتمل كلمه ممن حولك.. وتخيم على يومك هالة سوداء «لا تمحوها أشعة الشمس المضيئة».
>>>
لماذا أصبح العالم اكثر سواداً.. واشد خطراً وتهديداً.. ولماذا صار الموبايل وسيلة التواصل مع الآخر.. سرادق عزاء لا ينتهي؟.. ومستشفى أم المصريين التى تثقل همومك بالأمراض والمرض والشكوى الدائمة.. لماذا تحولت لدينا مواقع التواصل التى تنقل إليك كل جديد وتطلعك على العالم الآخر بكل حديث.. لماذا حولنا صفحاته إلى صفحات وفيات.. واستعراض كل أنواع الأمراض.. وكل ألوان الشكوى.. حتى صارت صفحاته مصدر كآبة وحزن وطاقة سلبية تكفى لجعل الحياة شيئاً لا يطاق.. ومصدر هموم وأحزان لا تنتهى.
>>>
أرجوكم.. لا تحولوا النعمة.. إلى نقمة.. ولا تجعلوا مصادر الإفادة والتسلية والتواصل الإيجابى مع الآخرين نبضات من التوتر.. وأجراس إحباط لا تتوقف.. أعجبنى بحث الصديق الأديب الكبير الدكتور محمد مندور بعنوان «كيف تحمى نفسك من الاخبار السلبية.. لأن التعرض المستمر للأخبار السلبية يجعل الدماغ فى حالة إنذار دائم حتى لو لم يكن هناك خطر حقيقى.
عندما ترى مشاكل ضخمة لا تستطيع التأثير فيها.. تشعر بأن العالم خارج سيطرتك وهذا يولد الاحباط وتشويه صورة الواقع.. العالم ليس مليئاً بالكوارث فقط.. لكن الاخبار نادراً ما تتحدث عن الاشياء الجيدة.. وهكذا يتكون لدينا تصور غير متوازن.
مع مرور الوقت يصبح العقل متعباً.. وكأنك تحمل هموم العالم كله على كتفيك حتى تتحول متابعة الاخبار إلى مشكلة.. ليس الهدف أن تتجاهل الواقع فالمعرفة مهمة لكن هناك فرقاً بين الوعى والغرق فى السلبية.
.. فاذا شعرت بالتوتر بعد تصفح الاخبار.. فهنا يجب أن تعيد التوازن لنفسك.. وإدراك انك إذا بدأت يومك بخبر سلبى أو كارثة أو وفاة فقد يحمل عقلك هذا الشعور طوال اليوم.. لذلك من الأفضل أن تبدأ يومك بخبر إيجابى.. شىء مفرح.. شىء يدخل السعادة إلى قلبك.
قبل أن نتعلم كيف نحمى أنفسنا.. يجب أن نفهم شيئاً مهماً.. معظم الاخبار التى نراها ليست عشوائية فالعقل البشرى ينتبه للأخبار السلبية اكثر من الايجابية فى علم النفس يسمى هذا.. الانحياز السلبى.. العقل تطور عبر آلاف السنين ليكون حساساً للخطر فاذا سمعت صوتاً، فى الغابة.. من الأفضل أن تفترض أنه خطر.. لكن فى العصر الحديث يحدث شىء مختلف بدلاً من خطر واحد.. تتعرض يومياً لمئات التهديدات الاعلامية.
حرب فى بلد بعيد.. أزمة فى اقتصاد دولة اخرى.. كارثة طبيعية.. فى قارة اخري، ورغم أن هذه الأحداث قد لا تؤثر على حياتك المباشرة.. إلا أن عقلك يتعامل معها وكأنها تهديد شخصى.. وهنا يبدأ القلق.. والتأثير الخفى للأخبار السلبية.
قد تعتقد أن قراءة الاخبار مجرد عادة بسيطة لكن الدراسات النفسية تشير إلى تأثيرات عميقة وسلبية لها من الأفضل أن تحدد موعداً لمتابعة الاخبار.. طوال اليوم.. وتنتقى المصادر التى تأخذ منها اخبارك.. وابتعد عن المواقع التى تبحث عن التريند والاثارة وجذب الانتباه.. بتضخيم حجم الكوارث واضافة عبارات.. صدمة للعالم.. كارثة غير مسبوقة.. نهاية العالم.. رعب فى المدينة..
..عليك إدراك أن العالم ليس فقط ما تراه فى الاخبار وعلى مواقع التواصل.. العالم ايضا هو الخير الذى تراه حولك.. هو المستقبل الافضل الذى ينتظرك.. الحياة اجمل مما تراه على صفحات التواصل ..الحياة هى السعادة التى تصنعها لنفسك.. وليس ما تعرضه الشاشات.









