تمر الدولة المصرية فى الآونة الأخيرة بمرحلة هى الأدق فى تاريخها الحديث، حيث تتشابك التحديات الداخلية مع الاضطرابات الإقليمية والعالمية، مما يفرض ضرورة ملحة لبناء وعى جمعى شامل وحقيقى. إن الوعى ليس مجرد معرفة بالمعلومات، بل هو إدراك عميق لحجم المسئولية، وفهم للروابط بين الأزمات الاقتصادية، والضغوط السياسية، والمهددات الأمنية التى تحيط بالوطن من كافة الاتجاهات.
يأتى التحدى الاقتصادى الأبرز الذى يلامس حياة المواطن اليومية. فمصر كجزء من الاقتصاد العالمي، تأثرت بشدة بتبعات جائحة كورونا ثم الأزمة الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى الاضطرابات فى الملاحة بالبحر الأحمر والحرب الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية. وتواجه الدولة ضغوطاً ناتجة عن ارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً ونقص العملة الصعبة، مما أدى إلى موجات تضخمية غير مسبوقة. الوعى هنا يتطلب إدراك أن الحل لا يكمن فقط فى المسكنات المالية، بل فى التحول نحو اقتصاد إنتاجى يعتمد على الزراعة والصناعة وتقليل الفجوة الاستيرادية.
والدولة تعمل على مسارين، هما حماية الفئات الأكثر احتياجاً عبر برامج الحماية الاجتماعية، وفى الوقت ذاته تنفيذ إصلاحات جذرية لجذب الاستثمار الأجنبى المباشر، وهو ما يتطلب ثقة متبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
أما التحدى الثانى فهو جيوسياسى ولم يسبق لمصر فى تاريخها المعاصر أن واجهت اضطرابات على كافة حدودها الإستراتيجية فى آن واحد كما يحدث الآن. هذا الحزام النارى يفرض عبئاً أمنياً واقتصادياً هائلاً. فعلى الاتجاه الاستراتيجى الغربى الأزمة الليبية المستمرة وتداعياتها على الأمن القومى ومكافحة الإرهاب والتهريب. أما
الاتجاه الإستراتيجى الجنوبى هناك الصراع الدامى فى السودان، وما ترتب عليه من تدفق مئات الآلاف من الأشقاء السودانيين، مما يضع ضغطاً إضافياً على الموارد والخدمات. وفى الاتجاه الإستراتيجى الشرقى نجد العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، وهو التحدى الأكثر خطورة، ليس فقط من الناحية الإنسانية، بل لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية على حساب السيادة المصرية، وهو ما واجهته القيادة المصرية برفض قاطع وحاسم. ويظل ملف السد الأثيوبى تحدياً وجودياً يتطلب وعياً بقدسية مياه النيل وضرورة الالتفاف خلف رؤية الدولة فى إدارة هذا الملف المعقد بالدبلوماسية والصبر الاستراتيجى.
أما التحدى الثالث فهو حروب الجيل الرابع والخامس. إن معركة العقول أخطر ما يواجه المجتمع حالياً هو محاولات تزييف الوعى. نحن نعيش فى عصر السيولة المعلوماتية حيث تستخدم الشائعات والأخبار المغلوطة كأدوات لضرب الروح المعنوية وإثارة الإحباط.
تهدف المنصات المعادية إلى تصدير صورة سوداوية للواقع، وتجاهل أى إنجاز، وتضخيم الأزمات. الوعى هنا يعنى الفلترة والتحقق من المصادر، وإدراك أن استقرار الدولة هو المستهدف الأول من هذه الحملات.
التحدى الرابع هو الوعى الرقمي، فمع انتشار الذكاء الاصطناعى وتطبيقات التواصل، أصبح لزاماً على كل مواطن أن يكون حائط صد ضد محاولات تفتيت النسيج الوطنى.
التحدى الخامس هو السكانى. ولا يمكن الحديث عن الوعى دون التطرق إلى قضية الزيادة السكانية. إنها الغول الذى يلتهم ثمار التنمية. فمهما بلغت معدلات النمو الاقتصادي، فإن الزيادة غير المنضبطة فى عدد السكان تجعل من الصعب على المواطن الشعور بتحسن ملموس فى جودة الحياة. ويجب أن يتجه نحو مفهوم الكيف لا الكم، لضمان تعليم جيد ورعاية صحية لائقة للأجيال القادمة. الوعى ليس مسئولية الحكومة وحدها، بل هو عقد اجتماعى بين الدولة والمواطن. ويتجلى هذا الدور فى ترشيد الاستهلاك. وإدراكاً لظروف الأزمة العالمية، لابد من المشاركة الإيجابية فى المبادرات الوطنية مثل حياة كريمة التى تهدف لتغيير وجه الريف المصرى.
ولابد من الحوار الوطنى الذى يمثل منصة لتبادل الرؤى وصناعة بدائل وحلول بمشاركة كافة القوى السياسية والمجتمعية.
إن التحديات التى تواجه مصر حالياً ليست مستحيلة الحل، لكنها تتطلب اصطفافاً وطنياً قائماً على الفهم لا العاطفة، وعلى العمل لا التواكل. إن الوعى بحجم التهديدات هو نصف الطريق نحو تجاوزها.
مصر عبر تاريخها الطويل، كانت دائماً قادرة على امتصاص الصدمات والخروج من الأزمات أكثر قوة. واليوم يظل الرهان الحقيقى على وعى المواطن المصري، فهو الضمانة الوحيدة للحفاظ على كيان الدولة واستكمال مسيرة البناء وسط عالم مضطرب لا يعترف إلا بالأقوياء والمتماسكين داخلياً. إن معركة الوعى هى أم المعارك، ومن يمتلك وعى شعب يمتلك مستقبل وطنه.
وللحديث بقية.









