الصين التى يتصاعد نفوذها واقتصادها وتتقدم بثبات إلى سدة النظام العالمى فى صمت وهدوء واتزان، لا تثير نزاعات أو مشاكل ولا تدخل فى صراعات.. هذا الصعود الصينى الملحوظ، وتنامى النفوذ فى انحاء دول العالم بطبيعة الحال اثار جنون ومخاوف الولايات المتحدة، والتى تعمل بكافة الطرق والوسائل غير المشروعة على ايقاف الزحف الصينى نحو قمة النظام العالمى وتبنى مخططات ومؤامرات واشعال الصراعات والنزاعات والسيطرة على دول تتعاون مع بكين من أجل اضعاف واستنزاف وايقاف الصعود الصينى الذى بات يشكل خطرًا داهمًا على مستقبل الهيمنة الأمريكية، لا شك أن الصعود والتفوق الصينى أمر واضح للجميع على كافة الأصعدة، سواء الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية بل والعسكرية التى اثبتت تفوقها بشكل واضح، وباتت تمتلك قدرات عسكرية ودفاعية رادعة فهى دولة قوية ولديها تفوق فى مجال صناعة المقاتلات الشبحية وتتحكم بشكل كبير فى الرصيد العالمى من المعادن النادرة اضافة إلى أنها تتوغل بهدوء وثقة فى قارات العالم، تستفيد من الأخطاء الكارثية فى السياسات الأمريكية، التى تتعمد اشعال الصراعات، وإسقاط الدول، وبث الفتن، واستخدام الحلول العسكرية والتدخل غير المشروع فى شئون الدول وانتهاك سيادتها من خلال، الافراط فى استخدام غطرسة القوة، على الجانب الآخر، تركز الصين فى علاقاتها مع دول العالم على الشراكات الاقتصادية، وتحقيق المصالح المتبادلة، وعدم التدخل فى سياسات وشئون هذه الدول، ولا تفرض نهجًا سياسيًا محددًا، وتحترم القانون الدولي، ولا تميل إلى استخدام القوة والحلول العسكرية، بل تعظم من التعاون الاقتصادى والتجارى وتوجد لنفسها ساحات عريضة فى دول العالم، حتى بدأ حلفاء أمريكا فى اللجوء إلى الصين كبديل أمن بدلاً من الغطرسة الأمريكية ومحاولات فرض القرارات، والسياسات التى ترفضها الدول، وبدأت أوروبا فى نزع العباءة الأمريكية والتحرر من التبعية الأمريكية وهو ما تجلى بشكل واضح فى أزمتى العدوان الصهيونى المدعوم أمريكيًا على غزة، والحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران، وتضرب أسبانيا ومن ورائها فرنسا النموذج فى التمرد على السياسات الأمريكية، ولعل التلاسنات والمواقف الواضحة والحاسمة التى اتخذها رئيس الوزراء الأسبانى بيدور سانشيز تعبر عن التوجه الأوروبى فى حدوث الانفصال أو الطلاق السياسى بين أوروبا وأمريكا ثم مواقف فرنسا، وبريطانيا، التى من المفروض أنها تسير خلف السياسات الأمريكية إلا أن جون ستارمر رئيس الوزراء البريطانى ومعه أغلبية النخب البريطانية يرفضون الانحدار والانصياع لقرارات ومطالب سياسات أمريكا، حتى كندا بدأت تتخذ مواقف حاسمة تجاه خلع العباءة الأمريكية، ثم إيطاليا التى تقف أمام الرئيس الأمريكى ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو وأعلنت جورجيا ميلونى تجميد الاتفاقيات العسكرية مع إسرائيل.
الصين هدف رئيسى أساسى للولايات المتحدة الأمريكية.. خاصة فى ظل حالة الخوف والحذر والتخطيط لايقاف عجلة الصعود الصيني، وضرب مصالحها ومحاصرة مصادر الطاقة، والاستحواذ على الممرات البحرية فى العالم واجهاض مشروعاتها فى العالم، بدا واضحًا فى تحركات واشنطن وحروبها وصراعاتها، من أجل حرمانها من مصدر مهم للطاقة يساهم فى تدوير عجلات الايقاع الصناعى والتكنولوجى المتسارع حيث تحصل الصين على نحو 950 ألف برميل يوميًا من النفط الفنزويلى وتعد كاراكاس هى صاحبة أكبر احتياطى نفطى فى العالم بـ300 مليار برميل من النفط، والمرتبة الرابعة فى انتاج الغاز على مستوى العالم. ناهيك عن ثروات هائلة من المعادن والمعادن النادرة وأيضا قدرات زراعية، هائلة، وفنزويلا هى استهداف مباشر وواضح للصين.
الحرب الأمريكية على الصين، متعددة الاشكال، اقتصادية وتجارية، وفى مصادر الطاقة لكنها تتفادى المواجهة العسكرية وربما تحدث على المدى البعيد لا محالة بسبب الإصرار الأمريكى على التصعيد ومحاصرة المصالح الصينية، والحديث عن دعم الصين لإيران، خاصة تزويدها بمنظومات دفاع جوى ورادارات وصواريخ رغم النفى قد يكون أمرًا محتملاً، لأن الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية ضد إيران، رغم تعدد أهدافها حسب السرديات الأمريكية ــ الصهيونية، سواء القضاء على البرنامج النووي، وإسقاط النظام الإيراني، ثم تحرير مضيق هرمز أهم الأوراق الإيرانية، إلى ما خفى وغير معلن فى إعادة تشكيل المنطقة العربية إلا أن الصين تأتى فى قائمة هذه الأهداف بما تمثله للجانب الأمريكى من خطر، لذلك جاء الدور على إيران عقب السيطرة على فنزويلا وثرواتها خاصة إذا علمنا أن الصين توفر 15٪ من احتياجاتها النفطية من إيران، وضعف هذه النسبة من الخليج، بما يعنى أن الحصار البحرى الأمريكى المفروض على مضيق هرمز والموانىء الإيرانية وتعقيد الصراع فى منطقة الخليج سيؤدى إلى تهديد 45٪ من احتياجات الصين النفطية وهو أمر بالغ الخطورة لبكين.. بعد سيطرة أمريكا على فنزويلا.
الصين عقب الحصار البحرى الأمريكى على الموانىء الإيرانية والتحكم فى السفن وناقلات النفط التى تعبر المضيق ارتفعت حدة خطابها ضد إجراءات وقرارات الرئيس دونالد ترامب، وحملت تهديدات، ووصف هذه الإجراءات بالتصعيد المتهور، وأن الصين لديها اتفاقيات مع إيران ولا يمكن الاستغناء عنها، وعلى أمريكا مراعاة ذلك، وأشار الرئيس الصينى فى تصريحات مبطنة، إلى أن ما يجرى فى المنطقة مخالف للقانون الدولى وعودة لشريعة الغاب وهناك سفن صينية حربية تتواجد فى الشرق الأوسط وتحديدًا فى منطقة التوتر، تحت مسمى حماية تدفقات مصادر الطاقة.
الرئيس ترامب هدد الصين فى حال دعمها وارسالها أسلحة لإيران، بكارت الرسوم الجمركية، ونفت الصين ذلك تمامًا وأنها لم تدعم أى طرف، لكن دعنا من التصريحات التقليدية والبروتوكولاية بين واشنطن وبكين فالنار تحت الرماد والصراع محتدم، ويتصاعد على مستوى الحرب الاقتصادية والتجارية، ومصادر الطاقة، فمن ينتصر فى هذه الحرب الشعواء بين الصين وأمريكا، وماذا سيحدث فى الفترة القادمة؟ ومن سيكسب الرهان؟ خاصة أن هناك دولاً كثيرة تتوجه إلى الصين بحثًا عن الأمان الاقتصادى والتجارى وهو ما عبرت عنه زيارة رئيس الوزراء الأسبانى بيدرو سانشيز للصين فى الفترة من 11 إلى 15 أبريل الجارى بعد أن رفض بشكل قاطع الامتثال للتعليمات الأمريكية، ورفض المشاركة فى استخدام القواعد الأمريكية أو مجال أسبانيا الجوى فى ضرب إيران واعتبرها حربًا غير مشروعة مخالفة للقانون الدولي، كما لم يخضع بسبب تهديدات ترامب بعقوبات اقتصادية وتجارية تستهدف الاقتصاد الأسبانى وهو ما دفع سانشيز إلى زيارة الصين وتوجيه ضربة قوية للتبعية الأمريكية.
يبدو أن ترامب يحارب على كل الجبهات، ويواصل الخسائر والتكلفة الباهظة، دول المنطقة لم تعد تثق فى أمريكا، أوروبا كفرت بالتبعية الأمريكية.. كندا وغيرها حتى اليابان وكوريا الجنوبية، لم يعد ترامب يرى غير إسرائيل والانبطاح لأوهامها ومشروعاتها الخبيثة.. دائرة العداء لأمريكا تتسع، روسيا والصين تدفعان نحو توريط الولايات المتحدة فى مستنقعات الاستنزاف، الحرب على إيران، تسببت فى هزيمة إستراتيجية لأمريكا.. وخسائر فادحة، على كافة الأصعدة، على مستوى الحلفاء والشركاء لصالح الصين، وأيضا فى المنطقة العربية فلم يكن بيدرو سانشيز هو الذى زار الصين فقط، ولكن ولى عهد أبوظبى أيضا مع أوروبا وهناك أحاديث ومطالبات تؤكد على أهمية إعادة العلاقات مع روسيا والاعتماد عليها فى تأمين مصادر الطاقة، ترامب تجاوز كل الخطوط الحمراء حتى بابا الفاتيكان لم يسلم منه ومن لسانه، وهو الأمر الذى اغضب العالم وأوروبا بخاصة إيطاليا، وهو ما دفع جورجيا ميلونى إلى الرد بقوة على ترامب واتخاذ إجراء تعليق الاتفاقيات العسكرية مع إسرائيل، الصين تتقدم وتكسب بسياسات معتدلة، تخدم الدول وتعمل على ارتباط المصالح والشراكات الاقتصادية فى حين ترامب يدمر كل شىء، لم يعد له صديق، حتى الداخل الأمريكى انقلب على سياسات ترامب وما سببته من معاناة للمواطن الأمريكي، ترامب أكد مقولة سائدة فى العقل الجمعى العالمى «اللى متغطى بالأمريكان عريان».
فى ظنى أن الصين كل يوم تكسب مساحات فى فضاء النظام العالمي، وبات لديها حلفاء وشركاء وشرفاء فى هذا العالم، يرفضون سياسات ترامب وحلفائه الصهاينة، وعودة شريعة الغاب، ودعم الهدوء والحرص الصينى على عدم الصدام المباشر أو المسلح، للحفاظ على مشروعها ورؤيتها نحو الصعود، تستخدم واشنطن كافة الوسائل لاستدراجها واستفزازها ومحاصرتها، فهل تبقى الصين على هدوئها أم أن القادم يحمل نذر مواجهة قد تكون حتمية؟









