فى فترات التحول الكبرى التى تمر بها الأمم، تبرز قيمة الاصطفاف الوطنى ليس كخيار سياسى أو ترف فكري، بل كضرورة حتمية للبقاء والاستمرار، تمر الدولة المصرية حالياً بمنعطف تاريخى تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية العالمية مع التهديدات الجيوسياسية الإقليمية، مما يجعل تماسك الجبهة الداخلية هو خط الدفاع الأول والمحرك الأساسى للعبور نحو مستقبل آمن، الاصطفاف الوطنى لا يعنى ذوبان الاختلافات الفكرية أو غياب المعارضة، بل هو الاتفاق على ثوابت الدولة الوطنية وإعلاء المصلحة العليا فوق المصالح الحزبية أو الفئوية أو الضيقة، هو حالة من التلاحم بين الشعب ومؤسساته الوطنية الجيش والشرطة والقضاء، والمؤسسات الدينية والثقافية لمواجهة أخطار تهدد الجميع دون استثناء.
تعيش مصر فى إقليم مضطرب يوصف بأنه الأكثر توتراً فى العالم، من الصراع فى السودان جنوباً، إلى عدم الاستقرار فى ليبيا غرباً، وصولاً إلى الأزمة الإنسانية والسياسية المتفجرة فى قطاع غزة شرقاً، بالإضافة إلى ملف أمن المياه فى الجنوب وفى ظل هذه التهديدات، يصبح الاصطفاف خلف القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية ضرورة لمنع تصدير الأزمات إلى الداخل المصرى. وقوة الدولة فى مفاوضاتها الدولية تستمدها من قوة جبهتها الداخلية فالعالم لا يحترم إلا الدول المتماسكة التى يتحدث شعبها بلغة واحدة عندما يتعلق الأمر بسيادة الوطن.
وكذلك يمر الاقتصاد المصرى بمرحلة إعادة هيكلة فى ظل ظروف عالمية بالغة التعقيد من تضخم واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة التمويل. وهنا يتجلى الاصطفاف الوطنى فى إدراك المواطن لحجم التحديات والذى يقلل من تأثير الشائعات التى تستهدف ضرب الاستقرار المالى والنفسى للمجتمع. وكذلك يأتي
دور القطاع الخاص والمجتمع المدنى فى مساندة الدولة لتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجاً، وهو ما رأيناه فى مبادرات مثل «كتف بكتف» وغيرها.
ولابد من تبنى ثقافة تدعم المنتج المحلى وترشد الاستهلاك الذى يمثل جزءاً أصيلاً من الوطنية الاقتصادية فى وقت الأزمات.
إننا نواجه اليوم حرباً من نوع مختلف، لا تستخدم المدافع بل تستخدم الشاشات ومنصات التواصل. وتهدف هذه الحروب إلى تفكيك الرابط بين المواطن ودولته عبر نشر الإحباط والتشكيك الدائم فى كل خطوة تتخذها الدولة. ولذلك فإن الاصطفاف الوطنى هنا هو «الوعى» الوعى بأن النقد البناء مطلوب لتطوير الأداء، لكن الهدم والتشكيك غرضه إسقاط الدولة وليس إصلاحها. إن تكاتف المثقفين والإعلاميين مع المواطن البسيط لتوضيح الحقائق يمثل حائط صد منيعاً ضد محاولات تزييف الوعى التى تقودها قوى تسعى لاستعادة نفوذها على حساب استقرار الوطن.
قد أثبتت تجربة الحوار الوطنى أن الاصطفاف ممكن رغم اختلاف الرؤى فعندما تجلس القوى السياسية بشتى انتمائاتها على طاولة واحدة لمناقشة قضايا التعليم والصحة والسياسة، فإنها ترسل رسالة للعالم بأن قوة مصر فى تنوعها المتلاحم والبحث عن حلول للأزمات من خلال الحوار يعزز الشعور بالانتماء، ويجعل كل فرد يشعر بأنه شريك فى صنع القرار وصياغة المستقبل.
ويمثل الشباب الكتلة الحرجة فى المجتمع المصري، واصطفافهم هو الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية، إن انخراط الشباب فى العمل التطوعي، والمبادرات التنموية، والمناصب القيادية، يغلق الأبواب أمام أى محاولات لاستقطابهم نحو أفكار متطرفة أو تخريبية والتاريخ يعلمنا أن الدول لا تسقط إلا عندما تتآكل جبهتها الداخلية من الداخل. ومصر بما تملكه من ثقل تاريخى وحضاري، قادرة على تجاوز اللحظة الراهنة بشرط أن يظل الاصطفاف الوطنى هو المظلة التى تجمعنا، إن التحديات الحالية، على قسوتها، هى فرصة لإعادة اكتشاف مكامن القوة فى الشخصية المصرية، وفرصة لتوثيق العقد الاجتماعى بين الدولة والمواطن، فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو إيمان مشترك وتكاتف فى وقت الشدة قبل وقت الرخاء، إن الاصطفاف الوطنى اليوم ليس مجرد شعار نردده، بل هو عمل يومي، ووعى يقظ، وإخلاص لا يتجزأ للدولة المصرية، لتبقى كما كانت دوماً، عصية على الانكسار ومنارة للاستقرار.









