في لحظة تاريخية تتسارع فيها تحولات الذكاء الاصطناعي، لم يعد امتلاك التكنولوجيا كافيًا، بل أصبح امتلاك «اللغة» التي تفهم بها هذه التكنولوجيا هو الرهان الحقيقي. وبينما تتنافس القوى الكبرى على تطوير نماذجها اللغوية، تبرز التجربة المصرية من خلال نموذج «كرنك» بوصفها محاولة جادة لسد فجوة طالما عانت منها اللغة العربية في عالم الذكاء الاصطناعي.
الواقع أن الأرقام العالمية تكشف حجم التحدي والفرصة معًا؛ فسوق معالجة اللغة الطبيعية مرشح للانفجار من نحو 42.47 مليار دولار في 2025 إلى ما يقارب 791 مليار دولار بحلول 2034. هذا النمو الهائل لا يعكس فقط توسعًا اقتصاديًا، بل يشير إلى أن اللغة أصبحت بنية تحتية رقمية لا تقل أهمية عن الطاقة أو الاتصالات. ومن هنا، فإن غياب اللغة العربية عن هذا السباق بشكل كافٍ كان يعني ببساطة تهميشًا رقميًا لمئات الملايين من المستخدمين.
في هذا السياق، يأتي نموذج «كرنك» كترجمة عملية لرؤية الدولة المصرية في توطين التكنولوجيا، وليس مجرد استيرادها. فالنماذج العالمية مثل «شات جى بى تى» حققت انتشارًا واسعًا، لكنها تظل محدودة في فهم الخصوصية اللغوية والثقافية العربية، خاصة فيما يتعلق باللهجات والسياقات الاجتماعية الدقيقة. وهنا تحديدًا تتجلى أهمية «كرنك»، الذي لا يسعى فقط إلى الترجمة أو المعالجة، بل إلى «الفهم العميق» للنص العربي.
ما يميز التجربة المصرية هو ارتباطها باستراتيجية وطنية واضحة، انطلقت منذ 2020 وتطورت في نسختها الثانية عام 2025، واضعة أهدافًا طموحة مثل زيادة مساهمة قطاع الاتصالات، وتوسيع قاعدة مستخدمي الذكاء الاصطناعي، وبناء كوادر بشرية متخصصة. هذا الربط بين السياسات العامة والتطبيقات العملية هو ما يمنح «كرنك» ثقله الحقيقي، ويخرجه من كونه مشروعًا تقنيًا إلى كونه مشروعًا تنمويًا.
الأهم من ذلك، أن «كرنك» لا يقف عند حدود المختبرات، بل بدأ بالفعل في التغلغل داخل تطبيقات حياتية: من التعليم عبر المعلم الذكي، إلى الخدمات الحكومية، إلى دعم مراكز الاتصال، وحتى فهم اللهجة المصرية العامية. هذه التطبيقات تعكس تحولًا نوعيًا من «ذكاء اصطناعي للنخبة» إلى «ذكاء اصطناعي للمجتمع»، وهو تحول ضروري إذا أرادت أي دولة تحقيق عائد اقتصادي واجتماعي حقيقي من هذه التكنولوجيا.
لكن، ورغم هذا التقدم، لا ينبغي المبالغة في التفاؤل. فالمنافسة العالمية في مجال النماذج اللغوية شرسة، تقودها شركات عملاقة، تمتلك موارد هائلة وخبرات تراكمية. وبالتالي، فإن نجاح «كرنك» لن يُقاس فقط بإطلاقه، بل بقدرته على التطور المستمر، وجذب المطورين، وبناء منظومة ابتكار حوله.









