بداية نتفق أننا نمر الآن بمرحلة حرجة خارجة عن الإرادة.. مرحلة يعانى فيها العالم كله من أزمات اقتصادية فرضتها علينا جميعا حالة الحرب التى كانت سبباً رئيسياً فى توقف ممرات التجارة العالمية سواء للنفط وهو السلعة الرئيسية والعامل المشترك فى كل الصناعات ووسائل النقل وخلافه أو فى باقى السلع التى تأثرت بالتبعية بارتفاع أسعار النفط فى العالم كله..
وفى مصر يتجاوز الوضع حالة الطوارئ التى نعيشها الآن على أيدى بعض بل كثير من التجار الجشعين الذين لايملكون أقل قدر من الوطنية أو من الانتماء.. فالدولة كانت مضطرة لرفع الأسعار كما قلنا بسبب ظروف الحرب وهو ما حدث بالعالم كله.. ومع تراجع قيمة العملة والضغوط على الجنيه المصرى أمام العملات الأجنبية ارتفعت تكلفة استيراد المواد الخام والسلع الوسيطة مما جعل السعر النهائى للمستهلك يرتفع تلقائياً.. ولكن التجار كان لهم رأى آخر فقبل الإعلان الرسمى عن رفع الأسعار قام التجار برفع أسعار السلع المخزنة لديهم حتى قبل أن تنتقل من مكانها أو من مخازنهم.. وكل سوبر ماركت تسأله لماذا المغالاة فى رفع السعر والتقدير الجزافى يقول إن تاجر الجملة رفع الأسعار.. ناهيكم عن تخزين السلع الأساسية لتقليل المعروض فى الأسواق لإجبار المستهلك على قبول السعر المرتفع عند طرحها لاحقاً..
المشكلة التى يواجهها مسئولو وزارة التموين أنهم غير قادرين على محاسبة المخالفين لأنه ببساطة شديدة لاتوجد تسعيرة جبرية يمكن محاسبتهم عليها.. فلا يجد مسئول التموين شيئا يفعله إلا أن يحاسب التاجر على مخالفة عدم الإعلان عن السعر وهى مخالفة عقوبتها خمسون جنيها فقط والحقيقة أن هناك خطأ شائعا بأن اقتصاد السوق يعنى الفوضى وحرية التسعير..وبالطبع هذا مفهوم خاطئ فالاقتصاد الحر لا يحمى المستغلين بل يضع من القيود ما يحمى المستهلك بشكل كامل فلا تجد فى أى من دول العالم التى تطبق الاقتصاد الحر أو اقتصاد السوق من يتلاعب بالأسعار دون رادع وإلا فالعقوبات تنتظر من يتعمد رفع الأسعار فى أوقات الحرب أو الطوارئ..
الاقتصاد الحر يقوم على حرية المنافسة لا حرية الاحتكار.. وعلى وجود منافسة كاملة فعندما يقوم تاجر باحتكار سلعة فهو فى الواقع يدمر قواعد الاقتصاد الحر وهنا تتدخل الدولة لإعادة التوازن المفقود.. وفى مصر تحديداً فالمادة 27 من الدستور المصرى تنص صراحة على التزام النظام الاقتصادى بمعايير الشفافية والحوكمة ومنع الممارسات الاحتكارية وحماية المستهلك.. وقانون حماية المنافسة «رقم 3 لسنة 2005» يحظر الاتفاقات بين التجار على رفع الأسعار أو تقسيم الأسواق ويعتبرها جرائم تستوجب العقوبة.. وقانون حماية المستهلك « رقم 181 لسنة 2018» : يلزم التجار بالإعلان عن الأسعار وعدم حبس المنتجات عن التداول..
لذلك فالمطلوب هو تطبيق قواعد الاقتصاد الحر بشفافية تسمح بمحاكمة كل تاجر يستغل الأزمات العالمية أو المحلية لتحقيق المكسب الحرام برفع الأسعار.. والحلول واضحة تتمثل فى العقوبات الجنائية للمحتكرين والتى تصل فى احتكار السلع الاستراتيجية إلى الحبس وغرامات مالية ضخمة مع مصادرة السلع المضبوطة.. بالإضافة إلى التسعير الجبرى المؤقت فالقانون يسمح لمجلس الوزراء فى حالات الأزمات التدخل لتحديد سعر جبرى لبعض السلع الأساسية لمدة محددة ويعاقب من يخالف هذا السعر..
وأخيرا تفعيل أدوات الرقابة الميدانية وتفعيل دور جهاز حماية المستهلك ومباحث التموين .
الأمر بالفعل يحتاج لتدخل عاجل وحاسم لا يجب فيه السماح لبعض التجار باستغلال الأزمة لتحقيق أرباح خيالية تذكرنا بأغنياء الحرب ويكفى أن السيد الرئيس السيسى نفسه قد وجه بضرورة إحالة هؤلاء التجار من مستغلى الأزمات للمحاكمات العسكرية.. فهل يجد المخالفون من يردعهم؟









