اصبح لسان حال العديد من مستأجرى الشقق السكنية «زمان كنا خايفين من الإخلاء.. دلوقتى بقينا خايفين من المصاريف» جملة بسيطة، لكنها تلخص ما جرى فى ملف الإيجار القديم خلال الشهور الأخيرة. فالقضية لم تعد كما كانت، لكنها أيضًا لم تُحسم.
لم يعد صحيحًا ما كان يُقال لسنوات عن إيجارات «بجنيهات قليلة» الزيادات طُبّقت بالفعل، وأصبحت القيم الحالية أعلى بكثير مما كانت عليه، التغيير أعاد قدرًا من التوازن، وقلّص فجوة كبيرة كانت موجودة بين قيمة العقار وما يدفعه المستأجر، لكن فى المقابل، خلق واقعًا جديدًا أكثر حساسية.
كبار السن وأصحاب الدخول المحدودة، وجدوا أنفسهم أمام التزامات أعلى فى وقت صعب، رغم أن الأرقام الجديدة ليست قريبة من أسعار السوق، لكنها بالنسبة لكثيرين قفزة مفاجئة بعد سنوات طويلة من الثبات، والدخل لم يتحرك بنفس سرعة الإيجار.
لا يزال كثير من الملاك يرون أن ما حدث خطوة أولى فقط، وأن العائد الحالى لا يعكس القيمة الحقيقية للعقار، فلا المستأجر مرتاح، ولا المالك راضٍ بالكامل.
نحو 1.5 إلى 1.6 مليون أسرة ما زالت ضمن هذا النظام، أى ملايين المواطنين الذين ترتبط حياتهم اليومية بهذا الملف، فالقضية ليست أرقامًا، بل استقرار بيوت كاملة.
الظاهرة نفسها كانت تتراجع تدريجيًا بمرور الوقت، مع انتهاء عقود أو تغير ظروف السكن، وكانت فى طريقها للانحسار الطبيعي، وإن ببطء، لكن التدخل الأخير عجّل بإعادة فتح الملف بشكل أوسع .
ورغم تطبيق الزيادات، لم يُغلق النقاش سياسيًا، فأعلنت عدة أحزاب نيتها إعادة مناقشة القانون خلال دور الانعقاد الحالى لمجلس النواب، مع التركيز على مراجعة ما تم، الطرح هنا يشمل الحديث عن تدرج حقيقي، وحماية اجتماعية، ورفض واضح لفكرة الإخلاء القسري، وهو ما ينتظره ملايين الأسر.
التغير فى الخطاب يعكس فهمًا أن القضية ليست صراعًا بسيطًا بين طرفين، بل مسألة تمس توازن المجتمع، فرفع القيمة وحده لا يكفى إذا لم يصاحبه تصور واضح لما بعد ذلك.
الأسئلة التى يطرحها الواقع أكثر تعقيدًا، ماذا يفعل من لا يستطيع الدفع؟ أين يذهب من لا يملك بديلًا؟ وكيف يمكن الانتقال من نظام قديم إلى آخر جديد دون صدمة؟
أى إصلاح حقيقى يحتاج إلى أدوات موازية، دعم للفئات الأضعف، بدائل سكنية، وتدرج زمنى يسمح للناس بالتكيف.
الآن المستأجر لم يعد يدفع أرقامًا رمزية، لكنه أيضًا لم يصل إلى نقطة الأمان، هو ببساطة فى المنتصف .. وهذه أصعب منطقة.
فهل يمكن تحقيق توازن يحفظ حق المالك دون أن يهز استقرار المستأجر؟ الإجابة لن تأتى من قرار واحد، بل من طريقة إدارة هذا التوازن بحكمة، فالبيوت لا تُقاس بالقيمة الإيجارية فقط .. بل بالإحساس بالأمان داخلها.









