ما يفعله نتنياهو فى فلسطين ولبنان وسوريا وإيران من عمليات وحشية يندى لها الجبين، يذكرنى بكتاب قرأته من 20 عاماً تقريباً بعنوان «أشرار العالم» للمؤلفين ديروس جونز ونيل بلاند فورد، ترجمة أحمد حسن، صادر عن كتاب اليوم.. تحدث فيه الكاتبان عن 11 شخصية تم تصنيفها كأشر أشرار العالم وحشية ودموية، وأن العالم لم ينس ما فعله هؤلاء الأشرار فى البشرية، منهم هتلر الألمانى الذى فجر الحرب العالمية الثانية، وكان سبباً فى إزهاق أرواح نحو 70 مليوناً، وستالين الروسى الذى راح ضحيته نحو 20 مليوناً، وبول بوت الراهب الكمبودى الذى قضى على شعبه باسم ثورة الفلاحين وألغى المدارس وحرق الكتب وبلغ عدد ضحاياه نحو 3 ملايين نسمة فى كمبوديا، وغيرهم مثل عبدى أمين رئيس أوغندا، وجيم جونز الراهب الأمريكى الذى لُقب بشيطان القرن العشرين.
لذا كان نتنياهو بممارساته الوحشية التى فاقت سلفه شارون واحداً يضاف إلى قائمة كتاب أشرار العالم وعددهم 11 شريراً، الأمر الذى جعل بلدة فى اسبانيا تقوم قبل بضعة أيام بعمل دمية محشوة بالديناميت بارتفاع 7 أمتار ويعلقونها فى ميدان عام ويفجرونها، كتعبير عن غضبهم ورفضهم لممارساته الوحشية ودمويته التى لا تقل عن الذين تم ذكرهم فى كتاب أشرار العالم، مما أثار غضب دولة الاحتلال وخلق أزمة دبلوماسية، واستدعوا القائم بالأعمال فى تل أبيب وعنفوه لما بدر من بلاده بحق نتنياهو.. رغم أن ما فعله الاسبان مجرد تقليد سنوى شعبى قديم يمارس خلال احتفالات عيد الفصح، حيث يقومون بعمل دمية ويقذفونها بالحجارة ثم يحرقونها، والتقليد يعود إلى أربعينيات القرن الماضي، بدأ كإشارة إلى «يهوذا الاسخربوطى» تلميذ السيد المسيح لأنه خانه، فقامت بلدة إلبورغو بمدينة ملقة الاسبانية باختياره كشخصية شريرة وسيئة كل عام، اتسعت فيما بعد إلى شخصيات من هذا النوع.. وكان اختيار العام الماضى الرئيس الأمريكى ترامب، ومن قبله الرئيس الروسى بوتين، وهذا العام لنتنياهو تعبير، وفق رئيسة البلدية عن رسالة «لا للحرب.. لا للإبادة الجماعية».
الحقيقة، أن ما قام به الإسبان لم يأت من فراغ.. لأن ما يفعله وسيفعله نتنياهو فاق كل تصور فى العصر الحديث، فهو كلما أطفأ الله سبحانه ناراً للحرب أوقدها اليهود، اشعلوا غيرها مهما كان عدد الضحايا والأبرياء الذين بلغوا مئات الآلاف والعدد مرشح للمزيد طالما هناك أحلام توسعية بدولة اسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وطالما هناك من يؤيد أفكارهم وأوهامهم من الرؤساء الأمريكان، خاصة ترامب الذى ينصت إلى مكر ومكائد نتنياهو رغم عدم رضا عشرات الملايين من الأمريكان، بدليل المظاهرات المليونية فى غالبية الولايات الأمريكية رفضاً لانصياع ترامب التام لحليفه الإستراتيجى نتنياهو، الذى أدخل الأمريكان فى حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل فى إيران، بحجة المشروع النووى الإيراني..
لم يقتصر الأمر على اعتراض كثير من دول العالم حتى الداخل الشعبى الإسرائيلى فقد الغاضب على ممارسات الكيان، فقد حمل آلاف الإيطاليين أكفاناً رمزية دونت عليها اسماء 21 ألف طفل فلسطينى استشهدوا فى الهجمات الاسرائيلية على غزة وحدها
أتمنى كغيرى أن يكون حرق دمية نتنياهو فى بلدة اسبانية والغضب العالمى من الممارسات غير المسئولة، رسالة لأصحاب القرار فى واشنطن وتل أبيب بالكف عن تلك الممارسات الوحشية والإنصات إلى الأصوات العاقلة والعودة إلى طاولة المفاوضات، فما من مشكلة أو أزمة إلا ولها حل إذا ما رغبت كل الأطراف فى ذلك، فنحن فى زمن السماوات المفتوحة وآلات الحرب الجبارة ولو تم إلغاء العقل والحكمة لصار العالم كتلة من النار ممكن أن تعيد البشرية إلى العصور الوسطي، خاصة إذا تم استخدام الأسلحة النووية الفتاكة، وسيكون الجميع خاسراً سواء المنتصر أو المهزوم.
عموماً، تذكرنى عملية حرق دمية نتنياهو فى إسبانيا بحرق البورسعيدية لدمية اللورد البريطانى «اللمبي» بعد فرض القوات البريطانية لحظر التجول فى مدن القناة، عقب الغضب الشعبى فى مصر جراء القبض على سعد زغلول ونفيه إلى الخارج عام 1919 عن طريق ميناء بورسعيد.. حينها خرج أهل المدينة لوداعه، فمنعهم البوليس بأوامر من المندوب السامى البريطانى «اللمبي»، فقاموا بعمل دمية كبيرة للورد من القش وحرقها وظل هذا التقليد معبرين عن غضبهم من الانجليز، بعدها قررت بريطانيا إعادة اللمبى إلى بلاده فى 25 يونيو عام 1925 من ميناء بورسعيد، مما يؤكد أن الشعوب لها تأثير كبير فى تغيير السياسة الدولية كورقة ضغط ولإثناء الحكومات عن الممارسات الخاطئة عبر العصور، فهل حرق دمية نتنياهو فى اسبانيا والغضب الشعبى فى غالبية الدول، خاصة داخل الولايات المتحدة واسرائيل تجعل نتنياهو يعدل من سياساته وكذلك الأمر بالنسبة لترامب؟!.. هذا ما نتمناه، خاصة أن التجارب السابقة مع أشرار العالم وسقوطهم بالضغط الشعبى خير مثال.









