هكذا تحولت الحرب «الأمريكية- الصهيونية- الإيرانية » من حرب تستهدف القدرات العسكرية والنووية المزعومة لإيران – كما روج لها الرئيس الامريكى ومجرم الحرب الصهيونى نتنياهو – الى حرب تستهدف شرايين حياة شعوب العالم، حيث سكتت المدافع والصواريخ والقنابل التى استهدفت كل شيء فى إيران، وبدأ حصار النفط ذلك السائل الأسود الذى يحكم إيقاع الاقتصاد الدولي، وتتحكم أسعاره فى مستوى معيشة شعوب العالم.. ومع تصاعد وتطور هذه الحرب غير المبررة والتى جلبت للعالم خسائر فادحة لم يعد السؤال: من الذى انتصر؟
بل أصبح السؤال: كم سيدفع العالم كله ثمن هذه الحرب؟
منذ اللحظة الأولى لاشتعال المواجهة كان واضحا أن الحرب سوف تستهدف اقتصاد العالم، وستكون لها تداعيات خطيرة على دول الخليج العربى خاصة، فهى فى قلب العاصفة، وكل اقتصاداتها تعتمد على النفط كمصدر رئيسى للدخل والتنمية.. كما انها ستؤثر على اقتصادات العالم حيث تنتج المنطقة وحدها ما يقارب ثلث إمدادات النفط العالمية، ويمر عبرها يوميا ما يزيد على 20 مليون برميل من النفط، معظمها عبر مضيق هرمز، ذلك الممر البحرى الضيق الذى لا يتجاوز عرضه فى بعض نقاطه 33 كيلومترا، لكنه يحمل فوق مياهه اقتصاد العالم بأسره.
>>>
ولذلك كان إغلاق مضيق هرمز – ولو جزئيا – زلزالا اقتصاديا عالميا، فخلال أيام قليلة فقط، قفزت أسعار النفط إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، مع توقعات بالوصول إلى 200 دولار إذا استمر التصعيد والحصار.
تأثير حصار هرمز على مصر بالغ السوء حيث ستتأثر حركة المرور فى قناة السويس والتى يتم من خلالها نقل معظم بترول الخليج الى أوروبا.. وهذا يعنى خسائر كبيرة لمصر.. فضلا عن ارتفاع أسعار الوقود والطاقة فى الأسواق المصرية.
فى أوروبا، ارتفعت أسعار الوقود بشكل جنوني، مما أدى إلى موجة تضخم جديدة ضربت اقتصادات كانت بالكاد تتعافى من أزمات سابقة.
وفى آسيا حيث تعتمد دول كبرى مثل الصين والهند على استيراد الطاقة، بدأت المصانع فى تقليص إنتاجها، وارتفعت تكلفة السلع الأساسية بشكل غير مسبوق.. أما الدول الفقيرة فقد وجدت نفسها أمام كارثة حقيقية، حيث تضاعفت تكاليف النقل والغذاء، مما دفع ملايين إضافية إلى ما دون خط الفقر.
فى الدول العربية ارتفعت أسعار الوقود والطاقة فى كل البلاد حتى فى الدول التى تنتج النفط وهو وضع لو استمر لفترة ستعانى تلك الدول من موجات تضخمية تطال كل شيء وتؤثر على مستوى معيشة كل سكانها.
الولايات المتحدة، رغم كونها أحد أكبر منتجى النفط فى العالم، وهى لا تستورد نفطا من منطقة الخليج لم تكن بمنأى عن التداعيات الاقتصادية الخطيرة لقرار رئيسها بشن هذه الحرب غير المبررة والتى جلبت الأزمات للعالم حيث انعكس ارتفاع الأسعار العالمية مباشرة على المواطن الأمريكى وظهرت احتجاجات شعبية فى العديد من الولايات وإدانات لقرار ترامب بالحرب على إيران من نخبة من السياسيين الأمريكيين، وهو الأمر الذى خلق ضغطا هائلا على الإدارة السياسية، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية حاسمة.
>>>
الخاسر الأكبر كان – ولا يزال – شعوب المنطقة نفسها.. إيران، التى تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط فى العالم، وجدت صادراتها تتعرض لضغوط خانقة، وبنيتها التحتية النفطية فى مرمى الاستهداف فقد أصبحت هى الأخرى ممنوعة من تصدير نفطها نتيجة الحصار الذى فرضته القوات الأمريكية على مضيق هرمز .
الحقيقة الصادمة أن هذه الحرب كشفت هشاشة العالم أمام نقطة اختناق واحدة.. فمضيق هرمز الذى كان ممرا آمنا للتجارة الدولية، تحول إلى سلاح استراتيجى قادر على خنق الاقتصاد العالمى فى أى لحظة.. وهذا يطرح سؤالا خطيرا: كيف سمح العالم لنفسه بأن يصمت على هذه الحرب وهو يعلم أن لها تداعيات خطيرة على أسعار الطاقة فى العالم؟ كيف وقف العالم متفرجا طوال خمسين يوما ولم يحرك ساكنا وشعوب العالم تعانى من ارتفاع أسعار الطاقة؟
>>>
فى النهاية، قد تحقق بعض الأطراف المتصارعة مكاسب سياسية أو عسكرية مؤقتة.. لكن الثمن الحقيقى يدفعه كل بيت حول العالم من ارتفاع فاتورة الكهرباء، إلى زيادة أسعار الغذاء، إلى فقدان الوظائف، إلى تآكل الدخول والمدخرات… إنها حرب لا ترى على شاشات القتال فقط، بل تخاض يوميا فى حياة الناس.
«حرب النفط» ليست حربا بين دول، بل حرب على البشرية جمعاء.. وفى عالم مترابط اقتصاديا كما هو اليوم، لم يعد هناك طرف بعيد عن الخسارة.. الجميع يدفع… والجميع يخسر.
ويبقى السؤال المهم: لماذا تقف دول العالم الكبرى متفرجة على هذه الكارثة الاقتصادية؟
الصين وروسيا والهند ودول أوروبا الفاعلة على المستوى الدولى لماذا تقف متفرجة وكأن الأمر لا يعنيها مع أنها لو تدخلت بثقلها السياسى والعسكرى والاقتصادى تستطيع أن تسهم بدور فاعل فى إنهاء الأزمة وعودة الأمور الى طبيعتها فى خليج هرمز وبحر عمان.









