تشهد مسارات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران حالة من الغموض السياسى والتعقيد الميداني، فى ظل جهود وساطة باكستانية مع وساطة مصر وتركيا، وتحركات دبلوماسية متسارعة تتزامن مع تصعيد إقليمى واسع، سواء فى الحرب المستمرة أو فى ملفات الملاحة والأمن البحرى فى المنطقة. وبينما تتعدد التصريحات الرسمية من مختلف الأطراف، لا يزال موعد الجولة الثانية من المحادثات غير محسوم، وسط توقعات متباينة بشأن مستقبل التهدئة أو عودة التصعيد.
فقد أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أنه لم يتم حتى الآن تحديد موعد الجولة المقبلة من المحادثات بين واشنطن وطهران، مؤكدة فى الوقت نفسه أن إسلام آباد ستواصل لعب دورها فى تسهيل الحوار بين الجانبين. وشددت الخارجية على أن الجهود الدبلوماسية الباكستانية لن تتوقف، وأن الاتصالات مستمرة مع مختلف الأطراف الدولية لدعم مسار التوصل إلى اتفاق شامل، بعد جولة أولى وصفت بأنها «مكثفة وموسعة» واستضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد.
أوضح المتحدث باسم الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، أن الاتصالات السياسية والدبلوماسية مازالت قائمة لضمان استمرار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، لافتًا إلى أن ملف البرنامج النووى الإيرانى يأتى فى صدارة القضايا المطروحة على طاولة النقاش. وأضاف أن بلاده ستواصل تسهيل الحوار بين الطرفين، مع تأكيده أنه لم يتم الاتفاق على موعد محدد للجولة المقبلة حتى الآن.
وفى موازاة ذلك توجه قائد الجيش الباكستانى، الجنرال عاصم منير، إلى الولايات المتحدة عقب زيارة إلى إيران، فى إطار تحركات يُنظر إليها على أنها جزء من جهود الوساطة الإقليمية الهادفة إلى تقليل الفجوات بين واشنطن وطهران. كما أشارت تقارير صحفية إلى استعدادات جارية فى إسلام آباد لعقد الجولة الثانية من المفاوضات، مع التركيز على ترتيبات أمنية مشددة، واحتمال عقد الاجتماع خلال أيام، رغم غياب تأكيد رسمي.
وبحسب صحيفة «إكسبريس تريبيون»، فإن التحضيرات تشمل مشاورات تمهيدية بين الأطراف المعنية، وسط ترجيحات بأن تُعقد الجولة الجديدة فى نهاية الأسبوع أو بداية الأسبوع المقبل، فى حال جرى التوافق على التفاصيل اللوجستية والسياسية.
على الجانب الإيراني، نقلت وكالة «رويترز» عن مسئول رفيع أن زيارة قائد الجيش الباكستانى إلى طهران أسهمت فى تقليص بعض الخلافات مع الولايات المتحدة، لكنها لم تُنهِ القضايا الجوهرية العالقة، وعلى رأسها الملف النووي، بما فى ذلك مصير اليورانيوم عالى التخصيب ومدة القيود المفروضة على البرنامج النووى الإيراني. وأشار المسئول إلى أن هناك تفاؤلًا حذرًا بشأن إمكانية تمديد وقف إطلاق النار والتقدم نحو جولة جديدة من الحوار، رغم استمرار نقاط الخلاف الأساسية.
وفى واشنطن، أعلنت الإدارة الأمريكية عزمها عقد جولة ثانية من المفاوضات مع طهران، مع إبداء تفاؤل حذر بإمكانية تحقيق تقدم، خاصة فى ظل المخاوف المتزايدة من اتساع رقعة التوتر فى المنطقة. قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الإدارة «تشعر بالارتياح حيال فرص التوصل إلى اتفاق»، فى حين أكد مسئولون أمريكيون أن الاتصالات المباشرة وغير المباشرة مع إيران مستمرة بوتيرة منتظمة منذ انتهاء الجولة الأولى.
كما أوضح مسئولون أمريكيون لشبكة «إى بى سى» أن المشاورات تشمل شخصيات بارزة فى الإدارة، من بينهم نائب الرئيس جيه دى فانس، والمبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بهدف تقريب وجهات النظر بين الطرفين، تمهيدًا لاحتمال عقد اجتماع مباشر خلال الفترة المقبلة، رغم الإشارة إلى أن صياغة اتفاق نهائى قد تستغرق وقتًا أطول.
فى المقابل، تتبنى طهران خطابًا أكثر تشددًا، حيث أكد النائب الأول للرئيس الإيرانى أن بلاده «لن تستسلم للمطالب المفرطة»، مشددًا على أن إيران تمتلك إرثًا حضاريًا طويلًا ولن تقبل بشروط تمس سيادتها. وأضاف أن موازين القوى فى المنطقة قد تشهد تغيرات بعد الحرب، وأن العقوبات المفروضة قد تفقد فعاليتها تدريجيًا.
فى سياق موازٍ، برز ملف الحصار البحرى الأمريكى على إيران كعامل إضافى فى زيادة التوتر، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية استمرار الدوريات فى المياه الإقليمية لدعم إجراءات الحصار، الذى بدأ تطبيقه مع دخول الحرب أسبوعها السابع. وتهدف هذه الإجراءات، وفق واشنطن، إلى تقليص الموارد المالية الإيرانية ومنع عمليات التهريب المرتبطة بالنفط والذهب، فى إطار سياسة «الضغط الأقصى».
شدد مستشارون فى البيت الأبيض على أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة فى التعامل مع إيران، مؤكدين أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى «حل نهائى ومستدام»، مع الإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادية والعسكرية. كما أشاروا إلى أن استمرار الحصار البحرى يمثل عنصر ضغط رئيسيًا لدفع طهران نحو التفاوض بشروط أكثر مرونة.
فى ظل هذا المشهد المعقد، تتداخل الملفات الإقليمية مع المفاوضات النووية، حيث ربطت تصريحات صينية بين ضرورة الحفاظ على استقرار مضيق هرمز واستمرار الحوار بين واشنطن وطهران، محذرة من تداعيات اقتصادية واسعة قد تطال أسواق الطاقة العالمية إذا تصاعد التوتر. كما حذرت أطراف دولية من أن استمرار الأزمة دون تسوية قد يؤدى إلى اضطرابات كبيرة فى إمدادات الطاقة وارتفاع حاد فى الأسعار العالمية.









