لم تُخلق السياسة- في أصل معناها- كي تكون ساحةً للمناورة المجردة، ولا وُجدت السلطة لتُدار بمنطق الحيلة وحدها، كأنها لعبةُ ذكاءٍ بلا ميزان أخلاقي.
فالإنسان، قبل أن يُعرَّف بأنه كائنٌ سياسي، هو- في جوهرة- كائنٌ أخلاقيٌ رسالي، يحمل في داخله معيارًا سابقًا على الفعل، وأعلى من المصلحة، وأبقى من اللحظة.
- ولم يكن السؤال الحقيقي عبر التاريخ: كيف تُدار السياسة؟
- بل: بأي أخلاق نُمارسها؟
وهنا يظهر الفارق الحاسم ، بين سياسةٍ تُدار باعتبارها مسؤولية وطنية وأخلاقية ، وسياسةٍ تُدار باعتبارها فرص للتمكين .
لقد حاول نيكولو مكيافيلي—في كتابه الأمير—أن يصف الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون ، حين قرر أن الحاكم قد يضطر—في بعض اللحظات—إلى أن يتعلم “كيف لا يكون أخلاقياً ”، وأن يستخدم الوسائل التي تحفظ الدولة، حتى لو بدت قاسية في ظاهرها.
لكن مكيافيلي—رغم قسوته التحليلية—لم يكن يدعو إلى نزع الضمير كلياً من السياسة ، بل كان يحاول أن يفسّر لحظات الاستثناء لتحقيق أهداف عُليا ، لا أن يحوّلها إلى قاعدة دائمة.
غير أن المأساة تبدأ ، حين يتحول هذا الوصف—الاستثنائي بطبيعته—إلى منهجٍ دائم ، وحين تُفصل الوسيلة عن معيارها الأخلاقي، فتفقد السياسة توازنها، وتتحول من “فن الممكن” إلى فنّ الانحراف المُبرَّر.
والأخطر من ذلك ، حين يُستدعى الدين—لا ليكون رقيبًا على الفعل السياسي، ولا ضابطًا لإيقاعه— بل ليكون غطاءً لتحولاته، عندها… لا نكون أمام تديينٍ للسياسة ، بل أمام تسييسٍ للدين ، وتحويله من ميزانٍ يُحتكم إليه، إلى أداةٍ تُستخدم لتثبيت ما تم اختياره سلفًا داخل بنيةٍ تنظيمية مغلقة تحقيقاً لمصالحها الضيقة، وهنا تحديدًا، تبدأ المأساة الحقيقية.
ليست في وجود البرجماتية- فهي جزء من كل فعل سياسي- بل في تحررها تماماً من الأخلاق، ثم في لحظةٍ أشد خطورة، حين تُكسى بعباءة دينية، فيصبح الاعتراض عليها ، اعتراضًا على الدين ذاته.
في هذه اللحظة، لا يفسد الفعل السياسي وحده، بل يفسد معه معيار الحكم عليه، وتُغلق أبواب المراجعة، باسم القداسة.
ومن هنا، يمكن فهم تجربة جماعة الإخوان المتأسلمين السياسية، لا بوصفها مجرد تنظيمٍ يسعى إلى السلطة والتمكين، بل باعتبارها نموذجًا مكتملًا لتحول البرجماتية إلى عقيدة بلا ضابط، ثم إلى أداةٍ لإعادة تشكيل المجال السياسي كله، على صورتها، وبمنطقها، وبطريقتها البغيضة في النظر إلى العالم!!
- حين تتجرد الوسيلة الإخوانية من أي قيد أخلاقي
لم يكن مدرس الخط حسن البنا—في خطابه عن الملك فاروق—يقف عند حدود المديح السياسي الذي قد يُفهم في سياق رغبة في الاقتراب من السلطة ، بل تجاوز ذلك إلى مستوى أشد دلالة ، حيث لا يُعاد توصيف الحاكم فحسب ،بل يُعاد تعريف موقعه داخل الوعي الشعبي .
فالنص لا يقدّم مجرد ثناءٍ على ملكٍ شاب ، بل يضخم صورته إلى حدٍ يكاد ينتزعها من الواقع ، فيتحدث عن شابٍ لم يتجاوز السابعة عشرة بوصفه محور ولاء أربعمائة مليون مسلم، وقائد بيعةٍ دينية، و“حامي المصحف” الذي تُبذل له الأرواح.
وهنا… لا تعود المبالغة مجرد زخرفٍ لغوي ، بل تتحول إلى آلية بناءٍ كاملة ، حيث لا يُقصد إقناع المتلقي فقط ، بل إعادة تشكيل موقعه داخل المعادلة السياسية ، وهذا ما يرجّح أننا لسنا أمام تعبيرٍ تلقائي ، بل أمام دورٍ وظيفي واعٍ ، تُستخدم فيه اللغة والدين ، لا لنقل موقف ، بل لصناعته ، وفرض شروطه مسبقًا.
وهنا تظهر البرجماتية في صورتها الأكثر وضوحاً و خطورة:
ليست مرونةً سياسية تُفرض بظروفها، بل استعدادًا كاملًا لإعادة تعريف كل شيء ، حتى الحقائق البديهية ، كعمر الحاكم وحدود سلطته التي تُكسى- بعناية فائقة- بعباءة دينية، فتتحول من مجرد نفاقٍ سياسي، إلى خطابٍ يبدو- في ظاهرة-التزامًا بالمصحف، بينما هو- في جوهره – إعادة تموضع كاملة، تحت غطاء العقيدة!!
وفي هذا السياق، يقول البنا نصًا:
«إذا كان قد ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه ، فإنه يكسب ولاء أربعمائة مليون من المسلمين.. تشرئب أعناقهم وتهفو أرواحهم إلى الملك الفاضل الذي يبايعهم على أن يكون حامي المصحف.. فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنودًا للمصحف.. وأن الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق.. فعلى بركة الله يا جلالة الملك ومن ورائك أخلص الجنود». (مجلة الإخوان المسلمين، 9فبراير 1937 )
ليست المشكلة هنا في المديح ، ولا حتى الإفراط فيه ، بل في نقطة التحول الصامتة داخل النص.
فالملك—داخل هذه البنية—لم يعد حاكمًا يُدير شأنًا عامًا ، بل صار موضع بيعة مطلقة ، وبهذا التحويل الدقيق ،لم يعد الاقتراب من سلطة الملك الشاب خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش .
وهنا تحديدًا ، لا نكون أمام برجماتية عادية ، فمكيافيلي—في الأمير—كان صريحًا حين أقرّ بأن الحاكم قد يحتاج إلى أن يبدو متدينًا ، وأن يتقن توظيف الصورة ، لكنه ظل واعيًا أن ذلك خروجٌ عن الأصل ، لا إعادة تعريفٍ له.
أما هنا ، فنحن أمام بنيةٍ مختلفة تمامًا ، لسنا أمام حاكمٍ يناور بتوظيف جماعة متأسلمة لترجيح سلطته أمام برلمان يعبر عن شعب انتزع جزءا من السلطة بعد نضال وتضحيات ضد المستعمر ، بل أمام عقلٍ خبيث يعيد صياغة معيار المناورة، بحيث لا يبدو التناقض تناقضًا، ولا يبدو التلوّن تلوّنًا، بل انتصار للمصحف.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يكون هذا المنطق امتداداً لفعل سابق كرس استخدام اللغة والدين ، فحين قبل مدرس الخط حسن البنا تبرع شركة قناة السويس الأجنبية —بكل ما كانت تحمله من دلالة استعمارية—لبناء مسجدٍ للجماعة ، لم يتوقف أمام الإشكالية الأخلاقية ، بل تجاوزها ، بإعادة صياغتها دينيا و لغويا ، وفي ذلك يقول:
«وليس في قبول هذه المعونة ما يُخالف ديننا .. ولا ما يُنقص من كرامتنا .. وإنما هو من باب التعاون على البر»
(حسن البنا – مذكرات الدعوة والداعية)
هنا .. لا تُستخدم اللغة والدين لتبرير الفعل ، بل لتغيير طبيعته.
فلا تعود الوسيلة محل سؤال ، لأن السؤال نفسه قد تم تفريغه من مضمونه .
وهذا هو التعطيل الحقيقي للضمير بإعادة تشكيله ، حتى يصبح قادرًا—في كل مرة— على تبرير ما كان ينبغي أن يُرفض
(2 ) حين تنفصل السياسة عن ميزانها الأخلاقي في منطق الجماعة
إذا اجتمع هذا النمط الإخواني من البرجماتية المنفلتة ، مع هذا القدر من التوظيف الديني المُحكم ، فإن النتيجة لا تكون مجرد انحرافٍ في السلوك السياسي ، بل تفريغًا كاملًا للسياسة من أي قيمة أخلاقية !
يتجلى ذلك بوضوح في المسار العملي لـ جماعة الإخوان المتأسلمين مع السلطة في مصر ، حيث لا تحكم العلاقةَ مبادئُ ثابتة ، بل حركةٌ دائمة نحو مركز القوة.
ففي عام 1952 لم تتردد الجماعة طويلاً في إعلان تأييد ثورة 23 يوليو 1952 ضد الملك فاروق ، بل صدر عنها بيانٌ داعمٌ للحركة الجديدة
يمنحها—كعادتهم —غطاءً يتجاوز السياسة إلى ما يشبه الشرعية العامة بعباءة دينية .
لم يكن هذا الموقف مجرد تأييدٍ لواقعٍ جديد ، بل قطعًا سريعًا مع تموضع سابق ، كانت الجماعة فيه—قبل شهور قليلة—في حالة تقاربٍ واضحة مع القصر الملكي ، حتى إنّ حسن الهضيبي – مرشد الجماعة الثاني – لم يتردد في وصف الملك فاروق بـ “المليك الكريم” في صياغةٍ تتجاوز المجاملة السياسية إلى نفاقٍ يكشف طبيعة الخطاب الإخواني حين يقترب من السلطة !!
وهنا يبدو المشهد وكأنه انحيازٌ لحركة الجيش ، لكن القراءة الأعمق تكشف أنه انحيازٌ لمركز القوة الجديد.
وللتأكد من أن الأمر ليس استثناءً في تاريخ الإخوان ، بل نمطًا متكررًا، يكفي أن نعود خطوة قليلا إلى الوراء ، وتحديداً إلى عام 1942 ، حين فُرضت حكومة مصطفى النحاس باشا بدعم الدبابات البريطانية في حادث حادث 4 فبراير ، في تلك اللحظة ، لم تكن العلاقة بين الجماعة والوفد علاقة حياد ، بل كانت سنواتٌ من الصراع السياسي والإعلامي والحركي استُخدمت فيها كل أدوات المواجهة لإضعاف الوفد لصالح القصر الملكي.
لكن—وفور تغيّر موازين القوة—لم تتعامل الجماعة مع عودة الوفد بوصفها أزمة مبدئية ، فُرضت من الإحتلال بقوة السلاح ، بل أعادت التموضع سريعًا ، وفتحت قنوات التواصل مع الوفد ، ودخلت في حالةٍ من التكيّف مع السلطة الجديدة ، وحصلت منها – كعادتها – على التمويل !!
هنا ، لا يمكن تفسير المشهد بتطورٍ في المواقف ، ولا بمراجعةٍ فكرية، بل بمنطقٍ أكثر وقاحة و خطورة: حيث تتغير المواقع، ولا تتغير الآلية!!
ففي كل مرة…
- يُعاد تعريف الخصم
- ويُعاد إنتاج الحليف
- وتُعاد صياغة الخطاب بعباءة دينية
وفقًا لموقع القوة والتمويل، لا لمعيار المبدأ.
وهكذا… لا تعود السياسة لدى جماعة الإخوان ساحةً للتنافس على خدمة المجتمع ، بل تتحول إلى مساحة مفتوحة لإعادة التموضع المستمر، حيث لا يكون السؤال: ما هو الإتجاه الصحيح؟
بل: أين نحصل على التمويل؟
وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يفسد الفعل السياسي وحده ، بل يفسد معه معيار الحكم عليه.
- ) برجماتية الجماعة كأداةٍ لدعم سلطةٍ مرفوضة شعبيًا
وفي قصة إسماعيل صدقي باشا ، تتجلى هذه الحقيقة بوضوحٍ لا يحتاج إلى كثير شرح.
فالرجل لم يكن مجرد رئيس وزارة مختلف عليه ، بل كان—في الوعي السياسي المصري—رمزًا للحكم المفروض من الاحتلال والقصر ، بعد إلغائه دستور 1923 وفرضه دستور 1930، وتشديد قبضته على الحياة النيابية والإرادة الشعبية ، حتى استقر اسمه في الذاكرة العامة بوصفه نموذجًا للسلطة التي تُدار ضد المجتمع لا باسمه
( كتاب: الحركة السياسية في مصر 1945–1952).
في هذا السياق، لم تختَر جماعة الإخوان المتأسلمين موقع المعارضة لسلطةٍ مكروهة شعبيًا ، بل اختير لها—وظيفيًا—أن تدعمها ، وأن تُضفي على هذا الإسناد غطاءً دينيًا.
وتنقل المصادر أن زعيم الإخوان بالجامعة مصطفى مؤمن ، أثنى على وعود إسماعيل صدقي أثناء المفاوضات مع الإنجليز خلال فعالية طلابية ذات طابع تعبوي ، مستشهدًا بالآية الكريمة :
«واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًا» (سورة مريم: 54 )
(فاروق القاضي، دراسات في الحركة الطلابية)
لم يكن هذا مجرد تلاعبٍ لفظي عابر ، بل محاولة واعية لنقل اسماعيل صدقي باشا ، من موقع السياسي المرفوض شعبياً ، إلى موقعٍ تُستدعى له لغة الثناء القرآني.
وكأن الأزمة ليست في تاريخه ، ولا في سياساته ، ولا في موالاته للاحتلال والقصر ، بل في عجز الناس عن إدراك “حقيقته” !!
وهنا لا نكون أمام نفاقٍ سياسي عادي ، بل أمام تسخيرٍ مباشر للنص المقدس في تجميل سلطة فاقدة للقبول الشعبي.
فالقرآن—في هذا الموضع—لم يُستدع ليكون حكماً، بل ليصبح ستارًا بلاغيًا يُرمَّم به وجه سلطةٍ تصدعت صورتها الذهنية في الشارع.
وهذا هو الفارق الجوهري:
بين تحالفٍ سياسي – و إن كان انتهازيًا – وبين انحدارٍ أخلاقي إخواني يُحوِّل النص المقدس إلى أداة علاقات عامة.
لكن الأخطر ، أن هذا لم يقف عند حدود اللغة والدين.
فالمصادر نفسها تورد—في سياق الاحتجاجات الطلابية ضد سياسات صدقي ومشروع “صدقي–بيفين” أن عناصر من الجماعة الإرهابية تصدت داخل الجامعة للمظاهرات المعارضة لصدقي ، باستخدام العصي والسياط، بل والسكاكين وفقاً لبعض المصادر ، كما تشير الوقائع إلى قيام الاخوان باقتحام قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة فؤاد، وعقد مؤتمرٍ مؤيد لإسماعيل صدقي ، افتُتح بالآية نفسها.
(انظر: كتاب فاروق القاضي)
هكذا… لا تعود الجماعة حليفًا لسلطةٍ مرفوضة شعبياً فقط ، بل تتحول إلى ذراع ميدانية تعمل داخل المجتمع لفرض أجندتها.
تُجمّل خطابها، وتحرس وجودها، وتواجه خصومها وهنا تكتمل البنية الخبيثة:
- سلطة مرفوضة شعبيًا
- جماعة تملك التنظيم والانتشار والتمويل
- نص ديني يُستدعى لإخضاع الوعي
- وعنف ميداني يُستخدم لتركيع المعترضين
وعند هذه النقطة ، لا يعود الحديث عن “موالاة السلطة” كافيًا لوصف السلوك الإخواني البغيض !
(4) إعادة تعريف الحالة الإخوانية
ليست الإشكالية —في هذا المسار—مرتبطةً بالسياسة بوصفها مجالًا يتبدّل وتتنازعه الضرورات ، ولا بالتحالف مع السلطة حين تفرضه لحظةٌ تاريخية بتعقيداتها ، بل بما هو أعمق من ذلك بكثير:
بالقدرة على إعادة صياغة “الحالة الإخوانية” ذاتها ، حيث لا تعود القضية ميزانًا يُقاس به الفعل ، بل تتحول إلى بناءٍ متلون يُعاد تشكيله عند كل منعطف ، فتغدو قادرة—في كل مرة—على احتواء ما يناقضها ،
لا بوصفه خروجًا عنها ، بل باعتباره—في صياغةٍ متأسلمة —امتدادًا طبيعيًا لها.
وهنا ، لا يكمن الخطر في تغيّر المواقف ، بل في القدرة على محو معنى هذا التغيّر ودلالته ، عبر إعادة تعريف الأصل ، حتى لا يبدو—في أي لحظة—أنه تغيّر.
ففي التعريف الذي يقدّمه حسن البنّا:
«الإسلام نظامٌ شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا… فهو دولةٌ ووطن، أو حكومةٌ وأمة، وهو خلقٌ وقوة، أو رحمةٌ وعدالة، وهو ثقافةٌ وقانون، أو علمٌ وقضاء، وهو مادةٌ وثروة، أو كسبٌ وغنى، وهو جهادٌ ودعوة، أو جيشٌ وفكرة، كما هو عقيدةٌ صادقة وعبادةٌ صحيحة سواء بسواء».
(حسن البنا – الأصول العشرين للجماعة)
لا نكون أمام توصيفٍ جامع بقدر ما نحن أمام بنية مفتوحة ، تسمح للجماعة أن تقتحم كل مجال بالاسم الذي يلائمه والطريقة التي تلائمها ، وأن تغيّر موقعها دون أن تتحمل كلفة هذا التغيير.
وهنا… لا تُعرَّف “الحالة الإخوانية” بوصفها مجموعة مبادئ ثابتة ، بل بوصفها إطارًا خبيثا ، يسمح بكل انتقال ، ويبرر كل انعطاف.
ثم يأتي سيد قطب ليمنح هذا البناء مرجعيةً أكثر حدّة ، حين يعيد تقسيم المجال كله إلى ثنائية قاطعة:
«جاهليةٌ ضاربة الأطناب في مقابل طليعةٍ مؤمنة تمضي في هذا الخضم الجاهلي»
( سيد قطب – معالم في الطريق )
وهنا لا تعود السياسة ساحة شركاء واختلاف وتغيير تحالفات، بل تتحول إلى ساحة فرزٍ يشرعن كل تحول سياسي براجماتي!!
وعندما عادت الجماعة إلى الجامعات في السبعينيات – في ظل سياسةٍ سمحت لها بالتمدد لمواجهة التيار الناصري واليساري- لم تُقدَّم هذه العودة بوصفها تحالفًا سياسيًا داخل صراعٍ على النفوذ ، بل بوصفها “استعادةً للهوية” و“نصرةً للدين” !!
وهنا يتضح نمط الفعل السياسي الإخواني كاملاً: تحالفٌ مع السلطة، ضد خصومها داخل المجتمع، ثم إعادة صياغة هذا التحالف، ليبدو امتدادًا للحالة الإخوانية لا خروجًا عنها، ولعل هذا ما يفسر تحالف الجماعة مع أجهزة خارجية معادية للوطن بوصفها سلطة اعتادت الجماعة التحالف معها!!
وعند هذه النقطة تحديدًا، لا تعود “الحالة الإخوانية” معيارًا يُحاسَب عليه الفعل السياسي ، بل تتحول إلى أداةٍ فاسدة لإعادة تعريفه وتبريره.
فلا يُقاس الموقف السياسي بمدى اتساقه مع مبدأ، بل بقدرته على الاندراج—بعد إعادة الصياغة—تحت لافتة ضرورات “الدعوة” الإخوانية وفق رؤية قيادات الجماعة المُحصنين بمبدأ السمع والطاعة العمياء!!
و لم تكن السياسة يومًا فنًّا خاليًا من القيم ، ولا كان الدين يومًا أداةً لتبرير ما لا يُبرَّر.
لكن حين تتجرد الوسيلة من الأخلاق، ويُستدعى الدين لتبريرها، لا تبقى السياسة سياسة، ولا يبقى الدين دينًا.
- ولكن يبقى السؤال…
هل المشكلة في الفعل السياسي نفسه، أم في العقل الذي قرر، أن كل فعل سياسي فاسد يمكن أن يبرر تحت عباءة الدين؟









