فى لحظة تشريعية فارقة، يطلّ قانون الأسرة الجديد باعتباره محاولة لإعادة صياغة ميزان العلاقات داخل البيت المصري.. يُقدَّم القانون بوصفه انتصارًا طال انتظاره للمرأة، واستجابةً ضرورية لسنوات من المعاناة مع إجراءات معقدة ونزاعات أنهكت المحاكم وأرهقت الأطراف.. لكن، خلف هذا الخطاب الإصلاحي، تتصاعد تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام عدالة حقيقية، أم إعادة توزيع غير متوازن للحقوق؟
لا يمكن إنكار أن القانون منح المرأة أدوات أقوى لحماية حقوقها، فقد شدّد على ضمانات النفقة، وضيّق مساحات المماطلة، ورفع كفاءة تنفيذ الأحكام، بما يوفّر مظلة أمان اجتماعى لها ولأبنائها.. هذه خطوات تُحسب للمشرّع، وتعكس إدراكًا لحجم الخلل السابق.. غير أن الإشكال لا يكمن فى مبدأ الإنصاف ذاته، بل فى الكيفية التى طُبّقبها، وفى ما إذا كان قد تجاوز حدّ المعالجة إلى حدّ الانحياز.
القراءة المتأنية لبعض البنود تكشف عن ميل واضح يضع عبئًا أكبر على طرف واحد فى معادلة يفترض أن تقوم على التوازن.. فحين تتحول الحماية إلى أفضلية، وتصبح الضمانات أحادية الاتجاه، يختلّ ميزان العدالة، ويُفتح الباب أمام ممارسات قد تستغل النصوص بدل أن تُنصفها.. هنا، لا يعود الجدل ترفًا، بل ضرورة، لأن القانون الذى يُفترض أن يضبط العلاقة قد يصبح بذاته مصدرًا للتوتر.
الأخطر من ذلك، أن أى اختلال فى قوانين الأسرة لا يبقى حبيس الأوراق، بل يمتد أثره إلى بنية المجتمع كله.. فالشعور بعدم العدالة، لدى أى طرف، يهدد الاستقرار الأسري، ويغذّى نزاعات طويلة الأمد، ويقوّض الثقة فى المنظومة القانونية.. ومن ثم، فإن الدفاع عن حقوق المرأة لا ينبغى أن يأتى على حساب إضعاف مبدأ التكافؤ، بل عبر ترسيخه.
إن العدالة لا تُقاس بمدى انحيازها، بل بقدرتها على تحقيق التوازن.. وقانون الأسرة، تحديدًا، لا يحتمل حلولاً أحادية أو معالجات انتقائية، لأنه ينظم أدقّ الروابط الإنسانية وأكثرها حساسية.
فى النهاية، يظل قانون الأسرة الجديد خطوة مهمة نحو تطوير المنظومة القانونية، لكنه يحتاج إلى مراجعة مستمرة وحوار مجتمعى مفتوح، يضمن تحقيق العدالة للجميع، دون إفراط أو تفريط. فالعدل، فى جوهره، لا ينحاز لطرف، بل يضع كل ذى حق فى موضعه الصحيح.









