فى وقت تتجه فيه الدولة لزيادة دور القوة الناعمة، لمصر فى المنطقة تبرز فكرة «دولة الفنون والإبداع» كمحاولة لبناء مسار جديد لاكتشاف المواهب، مستلهمة تجربة «دولة التلاوة» التى أعادت تقديم الصوت فى صورته الأكثر نقاءً.
الفكرة، فى جوهرها، لا تتعلق فقط بإطلاق برنامج أو مسابقة، بل بمحاولة صياغة منظومة تضع الموهبة فى موقعها الطبيعى، وتمنحها فرصة الظهور بعيدًا عن التعقيدات التى أحاطت بالمشهد الفنى خلال السنوات الماضية.
جاءت الدعوة إلى إطلاق «دولة الفنون والإبداع» بتوجيه من السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، لتؤكد دور الفن فى تشكيل الوعى، باعتباره أحد المسارات المؤثرة فى بناء الإنسان.
ويستند المشروع إلى فكرة البحث عن المواهب فى مختلف أنحاء الجمهورية، وعدم قصر الفرص على دوائر محدودة، بما يسمح بإعادة رسم خريطة الإبداع فى مصر بشكل أكثر اتساعًا.
بعيدًا عن صخب العاصمة، وفى مساحات تبدو هادئة للعين، تنمو مواهب لا تقل عمقًا ولا صدقًا. فى القرى والنجوع، حيث لا توجد منصات ولا لجان تحكيم، يتشكل فن مختلف؛ أقرب إلى الفطرة، وأبعد عن الحسابات.
أصوات تتدرب على الغناء دون معلم، ووجوه تحفظ التعبير من الحياة قبل المسرح، وشباب يكتبون حكاياتهم دون أن يعلموا أنها قد تستحق أن تُروي.
هذه المساحات، التى ظلت لسنوات خارج دائرة الضوء، تمثل الرهان الحقيقى لأى مشروع يسعى إلى اكتشاف المواهب. فالوصول إليها لا يحتاج فقط إلى أدوات، بل إلى إرادة حقيقية فى البحث خارج المسارات التقليدية.
برامج المواهب
وقد شهدت الساحة الفنية خلال السنوات الماضية انتشارًا واسعًا لبرامج اكتشاف المواهب، التى نجحت فى تقديم عدد من الأسماء التى استطاعت أن تفرض حضورها.
لكن، وعلى الجانب الآخر، لم تخلُ هذه التجارب من ملاحظات، حيث أثيرت تساؤلات حول طبيعة المعايير التى تحكم الاختيار، ومدى اعتمادها على التقييم الفنى الخالص.
ويرى متابعون أن بعض هذه البرامج قد تأثرت، فى أحيانٍ مختلفة، بعوامل تتجاوز الموهبة، مثل اعتبارات الإنتاج، ومتطلبات السوق، وعناصر الجذب الجماهيرى، وهو ما يفتح الباب أمام الحديث عن تأثيرات غير فنية قد تلعب دورًا فى تحديد النتائج.
لكن تبقى «دولة الفنون والإبداع» فكرة تحمل طموحًا يتجاوز حدود البرامج التقليدية، لكنها فى الوقت نفسه تواجه اختبارًا حقيقيًا.
فبين مواهب تنمو فى صمت داخل القرى والنجوع، وتجارب سابقة شابها الجدل، يقف المشروع أمام سؤال واضح:
هل يمكن أن تصل الفرصة هذه المرة إلى من يستحقها فعلاً؟
الإجابة لن تكون فى الإعلان عن الفكرة، بل فى الطريق الذى ستسلكه.
ضرورة الاستمرار
فى هذا السياق، تؤكد الناقدة فايزة هنداوى أن قضية اكتشاف المواهب مهمة، مشيرة إلى أن الساحة الفنية شهدت على مدار السنوات الماضية عددًا من البرامج التى استهدفت البحث عن مواهب فى مجالات مختلفة.
وتوضح أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى عملية الاكتشاف نفسها، بقدر ما يتمثل فى كيفية رعاية هذه المواهب واستمرار دعمها بعد ظهورها، قائلة إن «المشكلة ليست فى اكتشاف المواهب، بل فى ما يحدث لها بعد ذلك».
وتضيف أن هناك عددًا كبيرًا من المواهب الحقيقية التى لا تحظى بالانتشار الكافي، رغم تميزها، لافتة إلى أن دور العرض الثقافي، مثل دار الأوبرا، يضم أصواتًا مميزة لا تصل إلى الجمهور الواسع.
وتشير أيضًا إلى أن الأمر لا يقتصر على الغناء، بل يمتد إلى التمثيل، حيث يتم اكتشاف وجوه شابة موهوبة بشكل متكرر، خاصة فى الأعمال الدرامية، إلا أن كثيرًا منها لا يستمر، ويختفى رغم امتلاكه قدرات فنية واضحة.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن التحدى الأكبر يكمن فى «رعاية الموهبة وتنميتها، وإيجاد آليات حقيقية لإبرازها»، معتبرة أن استمرار الموهبة أهم من مجرد اكتشافها.
مشروع متكامل
كما يؤكد الناقد محمد عبدالخالق أن برنامج «دولة الفنون» لا يمكن اعتباره فقط برنامج ترفيهى أو مسابقة تقليدية لاكتشاف المواهب، على غرار النماذج التى قُدمت سابقًا فى مصر أو فى العالم العربي، مشيرًا إلى أن تجربة «دولة التلاوة» أثبتت أن هذه النوعية من المشاريع يمكن أن تختلف فى أهدافها ونتائجها.
ويوضح أن ما يميز «دولة الفنون» هو أننا أمام مشروع متكامل، يستهدف اكتشاف وتقديم مواهب حقيقية، بعيدًا عن تأثيرات السوق أو حسابات نسب المشاهدة والإعلانات، وكذلك دون الإعتماد على تصويت الجمهور كعامل حاسم قد يؤدى إلى ترجيح موهبة على أخرى.
ويرى أن المشروع يهدف بالأساس إلى تقديم مواهب تليق باسم مصر، وتسهم فى استعادة دورها الريادى فى المجال الفني، معتبرًا أنه يمكن النظر إليه كأحد المشروعات القومية فى مجال الثقافة والفنون.
ويضيف أن من أبرز ما يميز «دولة الفنون» هو قدرته على إتاحة الفرصة، التى تمثل العنصر الحاسم فى نجاح أى موهبة، مشيرًا إلى أن تبنى الدولة لهذا المشروع قد يضمن للمشاركين فرصًا حقيقية للظهور والتطور.









