فى العلاقات الدولية، هناك لحظات فاصلة لا يُنتبه إليها إلا حين تتحول من «توقعات» إلى «وقائع»، وما كتبه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في مقالة بجريدة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية في أبريل الجارى، تحت عنوان «ينبغي إنقاذ المنظومة متعددة الأطراف»، لم يكن مجرد دعوة روتينية للإصلاح، بل كان بمثابة «إقرار ضمني» بأن السفينة الأم للنظام الدولى الغربى قد بدأت تتسرب إليها المياه بشكل خطير.
حين يقول قائد في قلب الناتو والاتحاد الأوروبي إن «الهيمنة القطبية الواحدة لم تعد مضمونة»، فإنه لا يصف حالة عابرة، بل يشهد على نهاية حقبة تاريخية، وتوجت بـ «اللحظة الأحادية» الأمريكية التي ظن كثيرون أنها ستستقر للأبد. لكن التاريخ متقلب، والزلازل التي بدأت تشق التحالفات الغربية ليست عواصف عابرة، بل هي مؤشرات على ولادة نظام عالمى جديد.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: كيف يتم الانتقال من النظام القديم إلى الجديد؟ وما هي الأدوات التي تُستخدم في هذا المخاض العسير؟.. بقراءة المشهد الإستراتيجى منذ 2022، تاريخ التحول النوعى للحرب الأوكرانية، تكشف عن ثلاث خطوات، لإعادة تشكيل العالم، وهي خطوات تستدعى وقفة تحليلية عميقة.
>>الخطوة الأولى: هدم المعبد القديم بالحروب.. فى إستراتيجيات القوة الكبرى، لا يُهدم نظام مالى واقتصادى عالمي بقرار إداري، بل بـ «صدمة خارجية»، تشير التحليلات الإستراتيجية إلى أن الصراعات الدائرة اليوم، بما فيها المواجهة المتصاعدة مع إيران في الشرق الأوسط، أو الحرب في أوكرانيا، ليست مجرد نزاعات إقليمية على الحدود، بل هي «ستائر دخان» تُخفي وراءها انهياراً في النظام المالي القديم.
>>الخطوة الثانية: فرض النظام الرقمي الجديد.. إذا كانت الحرب هي أداة الهدم، فإن «التكنولوجيا المالية» هي أداة البناء، تسعى الولايات المتحدة إلى ما يُسمى بـ «إعادة الضبط الكبرى» للنظام المالي، عبر الانتقال إلى العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs).
**الخطوة الثالثة: تفتت التحالفات وظهور الأقطاب.. ربما تكون هذه الخطوة الأكثر وضوحاً على الأرض. فـ «الوهم الإمبراطورى» للقطبية الواحدة، الذى عاشت فيه أوروبا وكندا وأستراليا تحت المظلة الأمريكية لعقود، بدأ يتبخر.
في هذا السياق، يجب على صناع القرار العربي قراءة هذه الخطوات بوعى عميق، فالاعتماد على حماية قطب واحد أصبح مخاطرة إستراتيجية، والسؤال الذي يبقى معلقاً فى ملفات التاريخ: هل سنكون مجرد وقود لهذا التحول، أم سنكون شركاء في صياغة قواعد النظام الجديد؟.









