بينما انشغل المشرعون فى مجلس النواب الأمريكى بالحديث عن قرار للحد من صلاحيات الحرب للرئيس دونالد ترامب، ويطالب آخرون بتفعيل المادة 25 الخاصة «بعزل الرئيس»، بعد تغريداته عن «محو حضارة بالكامل»، واتجاه أنظار العالم قبل أيام نحو إسلام آباد حيث يفاوض جى دى فانس نائب الرئيس لمنع اندلاع حرب عالمية، يخرج فانس من عباءة الصمت «ببيان فكرى وروحى» فى مذكراته الجديدة، التى يثار عدة علامات استفهام على الترويج لها اليوم، على الرغم من أن موعد اصدار الكتاب فى يونيو القادم! فهل نحن أمام مجرد كتاب سيرة ذاتية، أم أمام بيان انتخابى لرجل على بعد خطوة واحدة من المكتب البيضاوى فى البيت الأبيض؟ وبالنسبة للقارئ العربى والمتابع للشأن الدولى، سيوفر الكتاب مفاتيح أساسية لفهم طبيعة الإدارة الأمريكية الحالية وتوجهاتها المستقبلية تجاه ملفات الأمن والتجارة الدولية.
وكانت دار النشر «هاربر كولينز» أعلنت ان كتاب السيرة الذاتية الجديد لجى دى فانس سيصدر يونيو القادم، تحت عنوان «Communion: Finding My Way Back to Faith» «المناولة: طريق العودة إلى الإيمان». والكتاب تكملة لمذكراته السابقة، لكنه يركز فى النسخة الجديدة بشكل أعمق على رحلته الروحية، وتحوله إلى الكاثوليكية، وكيف يصيغ إيمانه رؤيته السياسية الحالية كنائب للرئيس.
ومن خلال كتابه يقدم فانس نفسه للعالم «كنسخة محدثة» من القيادة الأمريكية، ويروج لفكرة «القائد المتأمل» الذى يوازن بين القوة العسكرية «خلفيته كجندى سابق» والسكينة الروحية، وهو نقيض مباشر للصورة «الاندفاعية» التى تصدر حالياً عن ترامب». ويبرز فانس ليس فقط كنائب للرئيس، بل كمنظر لمرحلة «ما بعد ترامب»، فهو يقدم صياغة أكثر انضباطاً ومرجعية فكرية للشعارات الشعبوية، محاولاً تحويل «الحالة الترامبية» من مجرد رد فعل غاضب إلى منهج حكم مؤسسي. ولا يمثل كتاب السيرة الذاتية الجديد لنائب الرئيس، مجرد سرد شخصى لرحلة من القاع إلى قمة هرم السلطة فى واشنطن، بل يعد وثيقة سياسية تفسر التحول الجذرى فى بنية الحزب الجمهورى والقواعد الشعبية التى باتت تشكل وقود «الترامبية» الجديدة. فانس، الذى تحول من ناقد شرس لترامب إلى شريكه فى البطاقة الانتخابية، يقدم فى هذا العمل رؤية أعمق لما يسميه «أمريكا المنسية».
ويركز الكتاب فى فصوله الأولى على الجذور فى منطقة «أبالاشيا» وحزام الصدأ «تعبير يطلق على المناطق العمالية الفقيرة»، ولا يكتفى فانس بسرد قصص الفقر والإدمان التى عصفت بعائلته، بل يربطها ببنية اقتصادية وسياسية يرى أنها خذلت الطبقة العاملة البيضاء.
ويستعرض الكتاب كيف تشكلت شخصية فانس من خلال «قسوة المحبة» التى قدمتها جدته، وكيف كانت الخدمة فى قوات مشاة البحرية نقطة التحول من الفوضى إلى الانضباط. كما يخصص مساحة واسعة لوصف شعوره بالاغتراب فى جامعة «ييل» للحقوق، مصوراً الصدام بين «الاستحقاق الوراثى» لنخب الساحل وبين «الاستحقاق الشاق» الذى يمثله القادمون من قلب أمريكا الصناعى.
أكثر النقاط إثارة للجدل والتحليل فى الكتاب هى التبرير الفلسفى والسياسى لتحول فانس من معسكر «المحافظين الجدد» أو التقليديين، إلى تيار «اليمين الجديد». وفيه يطرح نقداً قوياً للعولمة، ومرافعة واضحة ضد سياسات التجارة الحرة والتدخلات العسكرية الخارجية، معتبراً إياها نزيفاً للأرواح والأموال كان من الأجدر استثماره فى إعادة إحياء المصانع المغلقة فى أوهايو وبنسلفانيا. كما يشدد الكتاب على مفهوم «الحدود» ليس فقط كعائق مادى ضد الهجرة غير الشرعية، بل كرمز لاستعادة هيبة الدولة الوطنية وقدرتها على حماية مواطنيها.
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» فى المراجعة التى قدمتها تمهيداً لظهور الكتاب، «إن ما يطرحه فانس محاولة للمصالحة بين القيم المحافظة التقليدية «الأسرة، الدين، العمل» وبين دور الدولة الحمائى فى الاقتصاد، ويمثل ذلك ابتعاداً عن أدبيات ريجان التى كانت تقدس السوق الحر المطلق.
وأضافت: رغم أن الكتاب سيرة ذاتية، إلا أن إسقاطاته على السياسة الخارجية واضحة وحازمة، ويمكن تلخيصها فى نقاط جوهرية أهمها، الواقعية القومية، اذ يتبنى فانس توجهاً يدعو لتقليل الالتزامات الأمريكية فى أوروبا والشرق الأوسط للتركيز على «الخطر الوجودي» المتمثل فى الصين. والشك فى المؤسسات الدولية، كما يظهر فى الكتاب روح تشكيكية تجاه التحالفات العابرة للحدود التى لا تخدم المصالح المباشرة للعامل الأمريكى البسيط.
وكتبت صحيفة «اندبندنت» البريطانية عن الكتاب «ينجح فانس فى تقديم مادة دسمة تجمع بين العاطفة الإنسانية والصرامة السياسية. الكتاب ليس مجرد ذكريات، بل هو خارطة طريق لجمهور يسعى ليرى نفسه ممثلاً فى مراكز صنع القرار».









