هن سبع فتيات في مقتبل العمر.. “عرايس على وش جواز”.. انتهت حياتهن في غمضة عين إثر حادث مأساوي بشع؛ سقطن شهيدات “لقمة العيش” في حريق مصنع بمنطقة الزاوية الحمراء بالقاهرة، بعد أن حاصرت ألسنة اللهب أجسادهن الطاهرة، ليتم زفاف “عرايس الجنة” في مشهد جنائزي مبكٍ ومهيب، تاركات وراءهن قصصاً وحكايات دامية، وأحلاماً بسيطة دمرتها رحلة الشقاء مقابل جنيهات معدودة لا تسمن ولا تغني من جوع، ودون أن يشعر بهن أحد.
عرايس الجنة
الحادث المروع دمر أحلام وطموحات فتيات في زهرة شبابهن، تحملن قسوة الحياة ومرارتها وعنادها، وخرجن للكفاح والعمل بشرف وأمانة بيومية لا تتعدى مائة جنيه، ارتضين بها على أمل أن “النواية تسند الزير” وتغنيهن عن السؤال، ورغم ذلك كان القدر لهن بالمرصاد، ليغتال براءتهن بلا رحمة، ويعيش ذووهن في حسرة وأحزان ما تبقى من العمر. حدث ذلك دون أن يشعر بهن أحد، تماماً كما جرى منذ أيام في حريق عقار “حي الزيتون” بالعاصمة أيضاً، والذي اغتال حياة تسع فتيات، وغيرها الكثير من المآسي الناجمة عن جشع أصحاب تلك المصانع، وعدم توفير أي وسائل أمان لأرواح “الغلابة” والأبرياء الذين يدفعون حياتهم ثمناً في غيبة الأجهزة الرقابية.
تفاصيل الحادث
مأساة الفتيات السبع بدأت عندما فوجئن أثناء العمل بالمصنع المكون من ثلاثة طوابق بشارع محمد أمين بالزاوية الحمراء، بفرقعة ودخان كثيف بدأ في حوالي الواحدة ظهراً من المخزن بالطابق الأرضي، تبعه اشتعال للنيران بسرعة البرق، وخلال ثوانٍ تحول المكان إلى جمرة من اللهب، ساعد على انتشارها المواد الكيميائية “المشونة” بعشوائية؛ لتتعالى صرخات الفتيات الضحايا، ومنهن “روان ومريم وعواطف” كما تردد وقتها، ومعهن أربع أخريات، وهن يحتضن بعضهن البعض مستسلمات لنهايتهن بعد فشلهن في الهرب من الجحيم الذي اغتال براءتهن.
حريق مدمر
لم يكن أمام الأهالي حيال الكارثة التي فشلوا في مواجهتها سوى إبلاغ شرطة النجدة، ليتم إخطار قوات الإطفاء وأجهزة الأمن بالعاصمة. وخلال دقائق، توجهت قوات الحماية المدنية والقيادات الأمنية برئاسة اللواء محمد يوسف، مساعد وزير الداخلية لقطاع أمن القاهرة، واللواء علاء بشندي، مدير الإدارة العامة للمباحث، إلى الموقع بصعوبة بسبب ضيق الشوارع، حيث فرضت طوقاً أمنياً وحصاراً مشدداً للسيطرة على النيران من خلال خطة محكمة للمواجهة من الداخل والخارج عبر السلالم الهيدروليكية، في محاولة للوصول إلى الفتيات المحاصرات بالطوابق العليا.
مكافحة النيران
استمرت عملية المكافحة والمواجهة طوال 4 ساعات متواصلة وسط دوي انفجارات داخل العقار الصغير الذي تحول “بقدرة قادر” وفي غفلة من المسؤولين إلى مصنع وقنبلة موقوتة، ليصبح جريمة مكتملة الأركان وسط الكتلة السكنية. وقد استطاعت فرق الإطفاء أخيراً، وبعد جهود ضخمة، إخماد ألسنة اللهب وإتمام عمليات التبريد، لتتكشف الكارثة البشرية بالعثور على 7 جثامين لفتيات “زي الورد” في حالة تفحم خلف الأبواب الموصدة، وتم نقلهن بسيارات الإسعاف إلى ثلاجة حفظ الموتى وسط صرخات ذويهن الذين لم يصدقوا هذه النهاية المدمرة.
قصص الشهيدات
قصص كفاح مريرة رواها الأهل بالدموع، لتكشف كواليس حياتهن عن أوجاع ومرارة لمن كن يتقاضين “يومية” تبلغ 100 جنيه، يواجهن بها الحياة ويساعدن أنفسهن في شراء مستلزمات أحلامهن البسيطة لحين زفافهن، دون أن تدري أي منهن ما يخبئه القدر. احتشد العشرات من الأهالي أمام المستشفى لحين الانتهاء من الإجراءات القانونية وتسلم الجثامين بقرار من النيابة، وإتمام مراسم الدفن في موكب مهيب بدموع الحسرة التي لن تجف. ومن المقرر أن تقوم الأجهزة المعنية بالمحافظة ووزارتا التضامن والعمل بصرف تعويضات مادية لذويهم خلال الأيام القادمة.
تحقيقات النيابة
انتقل فريق من نيابة الزاوية الحمراء لمكان الحادث لإجراء المعاينات، وأصدرت النيابة قراراً بضبط وإحضار صاحب المصنع لمواجهته بالاتهامات الموجهة إليه، وطلبت تحريات المباحث وانتداب المعمل الجنائي لبيان سبب الحريق وتقدير قيمة الخسائر، مع تكليف لجنة هندسية بفحص اشتراطات السلامة المهنية وتراخيص الدفاع المدني. ولا يزال التحقيق مستمراً لكشف ملابسات الحادث حتى ينال المتهم عقابه الرادع، ولا يضيع دم “عرايس الجنة” الشهيدات هدراً.















