وجّه الرئيس عبدالفتاح السيسي، الحكومةَ بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب وتشمل هذه الحزمة التشريعية ثلاثة مشروعات: قانون الأسرة المسلمة، وقانون الأسرة المسيحية، وصندوق دعم الأسرة. وأكدت مصادر مطلعة أن هذه المشروعات أُعدّت منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع آراء العلماء والمتخصصين فيها.
أعاد هذا التوجيه الرئاسى إحياء نقاش دام سنوات طويلة حول ضرورة تحديث منظومة الأحوال الشخصية فى مصر. فمنذ عام 2022 حين وجّه الرئيس بتشكيل لجنة من الخبراء لإعداد قانون الأحوال الشخصية، والملف يراوح مكانه بين جدران المداولات، بما يؤكد أن الإرادة السياسية قد تجسّدت لدفع هذه المشروعات نحو الإقرار.
يُعدّ مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد نقلة نوعية فى المنظومة التشريعية الأسرية، وتشمل أبرز التعديلات المرتقبة:
- الحضانة: حيث تم إدراج الأب فى المرتبة الثانية بعد الأم لحضانة الأطفال، مع التأكيد على مصلحة الطفل الفضلي، بدلاً من الترتيبات القائمة التى أفرزت نزاعات مريرة وخلافات مستمرة.
- توثيق الطلاق ونص المشروع على معاقبة الزوج جنائياً عن عدم توثيق الطلاق الشفهى خلال 15 يوماً، مما يضمن حقوق الزوجة القانونية مثل النفقة والمستحقات المالية ويمنع حالات الإنكار.
- صندوق دعم الأسرة ككيان قانونى متخصص لتوفير شبكة أمان مالية مستدامة للأسر المتضررة، يعمل بالتوازى مع منظومة بنك ناصر الاجتماعي.
- العنف الأسرى حيث تم تشديد العقوبات على الزوج فى حالة إيذاء الزوجة جسدياً، وإعادة صياغة أحكام قائمة المنقولات فى قضايا الخلع.
قرار وزير العدل: خطوة تنفيذية سبقت القانون.
قبل صدور التوجيهات الرئاسية الأخيرة، كانت قد صدرت خطوة تنفيذية مهمة فى مارس 2026، إذ نشرت الوقائع المصرية قرار وزير العدل رقم 896 لسنة 2026، الذى يقضى بتعليق استفادة المحكوم عليهم فى قضايا النفقة من الخدمات الحكومية والمهنية.
حتى سداد ما عليهم من مستحقات. وثمّن المجلس القومى للمرأة هذا القرار، معتبراً أنه «آليةً فعّالة تحفّز المحكوم عليه على الوفاء بالتزاماته القانونية». فهذا القرار يسدّ ثغرةً كانت تعانى منها آلاف الأسر المصرية التى تحصل على أحكام قضائية بالنفقة لكن تجد صعوبةً فى تنفيذها، فى ظل تهرّب كثير من الأزواج من السداد.
وتجدر الإشارة إلى أن نسبة قضايا النفقة تزيد على 70 ٪ من إجمالى الدعاوى المقدمة أمام محاكم الأسرة، وهو رقم يكشف عن بُعد المأساة وعمقها. وقد سبق أن أجرت الدولة تعديلاً على المادة 293 من قانون العقوبات برفع الغرامة على الممتنع عن دفع النفقة إلى 5 آلاف جنيه، إلا أن القصور فى التطبيق ظل يُلقى بظلاله على آلاف الحالات.
المظلة الحامية – دوائر الأمان الأربع
استخدم المجلس القومى للمرأة فى بيانه عقب مأساة سيدة الإسكندرية تعبيراً بالغ الدلالة: «أربع دوائر أمان حقيقية»، تشمل: قانوناً منصفاً، ودعماً اقتصادياً، ومساندةً نفسية، ومؤسسةً وطنية. وهذا التصور البنيوى يعكس وعياً بأن الأزمة لا تُحلّ بأداة واحدة، بل بمنظومة متكاملة الأبعاد.
الدائرة الأولى: الحماية القانونية
فالمطلوب قانونياً ليس فقط إصدار قوانين جديدة، بل سرعة التنفيذ وإغلاق ثغرات التهرب. فسيدة الإسكندرية لم تكن بلا حكم قضائى أو حق مقرر، بل كانت تعانى من بطء التنفيذ وطول أمد التقاضى وتشابك القضايا المتعلقة بمسكن الحضانة. ومن هنا تأتى أهمية أن يتضمن القانون الجديد:
- آلية تنفيذ فورية لأحكام النفقة، بحيث لا تمرّ أسابيع أو شهور قبل أن تصل المرأة إلى حقها.
- محاكم أسرة متخصصة بكوادر مدربة على البُعدين النفسى والاجتماعى للقضايا، لا مجرد البُعد القانونى الجاف.
- حماية مسكن الحضانة بأحكام صريحة تمنع المطلّق من التعسف فى استخدام قضايا السكن وسيلةً للضغط على المطلّقة وأطفالها، وهو ما يُعدّ ثغرةً جوهرية يستغلها كثيرون لإيذاء الحاضنة نفسياً ومادياً.
- دعاوى مستعجلة للحالات التى ينبثق فيها خطر على سلامة المرأة أو أطفالها.
تاريخياً، أنشأت مصر محاكم الأسرة عام 2004 وصندوق نظام تأمين الأسرة التابع لبنك ناصر عام 2004 أيضاً، ورفعت سن الحضانة إلى 15 سنة عام 2005، وهذه الإنجازات التشريعية المتراكمة تُثبت أن ثمة إرادة إصلاحية، وإن كانت تحتاج تسريعاً ملحوظاً.
شبكة الأمان الاقتصادى
أكد بنك ناصر الاجتماعى أن صندوق تأمين الأسرة يصرف ما يقرب من 79 مليون جنيه شهرياً كنفقة، وهو ما يعكس حجم الأزمة وعمق الاحتياج. ويوفر البنك مساعدات نقدية وعينية للأسر الأكثر احتياجاً، بما فيها الأسر التى تعولها امرأة كالأرملة والمطلقة والمهجورة. ومع ذلك، تظل هذه المنظومة محدودةً فى نطاقها، ومشروطةً بإجراءات بيروقراطية معقدة لا تتناسب مع خطورة الأحوال التى تعيشها المرأة فى لحظات الأزمات الحادة.
الحل يستوجب:
- تسريع الإجراءات: إتاحة دعم طارئ فورى للنساء فى الأزمات الحادة، مع الإجراءات الرسمية اللاحقة.
- رفع الحد الأقصى للمساعدة: إذ يبلغ الحد الأقصى لمساعدة المطلقة من بنك ناصر 500 جنيه شهرياً، وهو رقم لم يعد يتناسب مع تكاليف الحياة الراهنة.
الاستقلال الاقتصادي: المجلس القومى للمرأة يُنفّذ برامج متعددة لرفع مهارات المرأة وتوفير فرص التدريب لتمكينها من دخول سوق العمل، إدراكاً بأن الاستقلال الاقتصادى هو أساس الأمان الحقيقي.
المقترح فى الحزمة التشريعية يُمثّل خطوةً محورية نحو بناء مظلة مالية أكثر شمولاً وكفاءةً.
الدعم النفسى
المأساة النفسية لسيدة الإسكندرية لم تكن وليدة يوم واحد؛ بل كانت ضغوطاً نفسية حادة وممتدة، تراكمت كالجمرة تحت الرماد. وهذا ما يكشف عن غياب منظومة صحة نفسية مُتاحة وقادرة على الإمساك بهذه الحالات قبل أن تبلغ الحافة.
المجلس القومى للمرأة يوفر خطاً ساخناً على رقم 15115، لتلقى الشكاوى وتقديم الإرشاد والدعم النفسى الأولى وتوجيه الحالات إلى الجهات المختصة. فضلاً عن ذلك، تقدم مكاتب شكاوى المرأة دعماً قانونياً ونفسياً واجتماعياً مجانياً بسرية تامة.
بيد أن التحدى الحقيقى لا يقتصر على وجود الخطوط الساخنة، بل يمتد إلى قصور الوصول إليها: فكثير من النساء فى الأزمات لا يعرفن هذه الخدمات أو يتحرّجن من طلب المساعدة بسبب وصمة اجتماعية مرتبطة بطلب الدعم النفسي. يُضاف إلى ذلك أن مبادرة «صحتك سعادة» التى تنفذها وزارة الصحة تشمل الدعم النفسى للسيدات ومسح شامل للاكتئاب والقلق، وهى جهود تحتاج تكثيفاً وتوسيع نطاق الوصول.
مسئولية المجتمع – من المتفرج إلى الشريك
ما تابعناه من أحداث مؤخراً تكشف عن أزمة غياب الدعم فى حياة هذه الأسر وأزمة سلوك المتفرجين فقد تابع مئات المشاهدين البث لسيدة الإسكندرية دون أن يتحرك أحد بفاعلية للإنقاذ، فى ظاهرة معروفة علمياً بـ«أثر المتفرج». هذا يضع على عاتق المجتمع مسئوليات عاجلة.
ثقافة الإنقاذ لا الفرجة
وهنا ينبغى أن تتحول ثقافتنا الاجتماعية من ثقافة التعليق والانتقاد إلى ثقافة التدخل والإنقاذ. حين يُبثّ شخصٌ ما محتويً ينذر بأزمة، لا يجب أن يكون رد فعل المتلقى التعليق أو المشاركة بحثاً عن الإثارة، بل الإبلاغ الفورى للسلطات والتواصل مع الشخص بكلمات دافئة. منصات التواصل الاجتماعى باتت فضاءً مفتوحاً لمن يعانون، وهو ما يستلزم تأهيل الجمهور على كيفية الاستجابة بمسئولية.
كسر ثقافة الصمت
كشفت الأزمة الأخيرة عن مسألة جوهرية وهى أن ثقافة «تحمّل الألم وحدك» و«التستّر على المشاكل الأسرية» تُفاقم المعاناة وتُسرّع نحو الكارثة. فالمرأة المصرية فى أزمتها تحتاج محيطاً يُشجّعها على طلب المساعدة لا يُجرّمها، ويرى فى طلب المساعدة دليل قوة لا دليل ضعف. خبراء الصحة النفسية يؤكدون أن مجرد الاستماع لمن يمر بأزمة انتحارية هو جزء فعّال من الدعم، لأنه يُفرغ الشحنة السلبية ويُخفف إحساس الشخص بالعجز واليأس.
دور المؤسسات الدينية – من الوعظ إلى الرعاية الشاملة
الأزهر الشريف: حضور مبكر وأدوار متجددة
يحمل الأزهر الشريف تاريخاً ناصعاً فى التعامل مع قضايا المرأة والأسرة؛ إذ أصدر عام 2013 وثيقةً داعمة لحقوق المرأة تشمل سبعة محاور أساسية تتعلق بقيمتها الإنسانية وشخصيتها القانونية ودورها فى الأسرة والمجتمع. وعلى مدار السنوات الماضية، شنّ الأزهر حملات توعوية مكثفة: «وعاشروهن بالمعروف»، و«أولو الأرحام» لمواجهة العنف الأسري، و«نصيباً مفروضاً» للتوعية بحقوق الميراث. كما صدر عام 2026 قرارات لهيئة كبار العلماء بشأن حقوق المرأة فى العصر الراهن، كاشفاً عن وعى بالمستجدات.
وجّه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بتركيز برامج التوعية على الأسرة المصرية فى إطار حملة «نحو أسرة آمنة ومجتمع مستقر». وينفّذ الأزهر قوافل دعوية موسعة وحلقات نقاشية متخصصة لواعظاته حول الاستشارات الزوجية والأسرية. ويملك الأزهر 220 واعظة على مستوى الجمهورية فى 26 محافظة، وهى ثروة بشرية هائلة يمكن توظيفها فى الإرشاد الأسرى الوقائي.
غير أن اللحظة الراهنة تقتضى تطوير الدور ليتجاوز الوعظ العام إلي:
- مراكز استشارية أسرية تابعة للمساجد والمعاهد الأزهرية، توفر بيئة مُقدَّسة وآمنة للنساء فى الأزمات.
- تأهيل الأئمة والواعظين على أسلوب الإرشاد النفسى الأولى والتدخل فى الأزمات، بما يتجاوز الأساليب التقليدية للوعظ.
- خطاب دينى واضح بأن طلب الدعم النفسى والقانونى واجبٌ وليس عاراً، وأن الصبر على الظلم ليس فضيلةً بل اشتراكٌ فى الأذي.
دار الإفتاء المصرية: من الفتوى إلى الرعاية الاجتماعية
تحتل دار الإفتاء المصرية موقعاً فريداً فى المنظومة الدينية والمجتمعية؛ إذ تتمتع بثقة الجمهور وحضور عالمى موسّع. دورها فى هذه المرحلة لا يقتصر على إصدار الفتاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية، بل يمتد إلي:
- تصحيح المفاهيم الفقهية المغلوطة التى تُضفى مشروعيةً دينية على العنف الأسرى والتهرب من النفقة والطلاق التعسفي.
- إنتاج محتوى رقمى يُعرّف المرأة بحقوقها الشرعية والقانونية بلغة سلسة ومُيسَّرة، يصل إلى الشريحة الأوسع من النساء.
- الشراكة مع المجلس القومى للمرأة فى بروتوكولات مشتركة للإرشاد الأسرى والدعم النفسي، بحيث تُحيل الدار الحالات الاجتماعية الحرجة إلى المجلس.
- الفتوى الوقائية: استباق مواسم الأزمات «ضغوط نهاية العام الدراسي، الأزمات الاقتصادية، شهر رمضان الذى يشهد ارتفاعاً فى الطلاق» بخطاب دينى استباقى يُقوّى الترابط الأسري.
المسجد مركز خدمات اجتماعية
تملك وزارة الأوقاف شبكة مساجد تغطى كل أرجاء مصر، وهى بنية تحتية اجتماعية لا مثيل لها. التحدى هو تحويل المسجد من مكان للعبادة فحسب إلى مركز خدمات اجتماعية متكامل، يضم مكاتب للإرشاد الأسري، وروابط مع خطوط دعم المرأة، ويُدرج فى خطبة الجمعة موضوعات الصحة النفسية والتماسك الأسرى بأسلوب علمى واقعى لا مجرد نصوص عامة.
الإعلام – بين المسئولية والإثارة
وجّهت حادثة سيدة الاسكندرية ضربة قاسية للضمير الإعلامى المصري؛ إذ بادر بعض المواقع والحسابات إلى نشر مقاطع فيديو كاملة للحادثة دون قيود أو اعتبارات لما يُعرف فى علم الوقاية من الانتحار بـ«تأثير وِرثر»، وهو الانتحار التقليدى الذى يُحاكى فيه أفراد آخرون يعانون أزمات مشابهة النمط الذى شاهدوه.
الإعلام المسئول فى مثل هذه الحالات لا يعنى الصمت التام، بل يعنى التغطية بدون الانتحار وفق المبادئ الدولية لمنظمة الصحة العالمية:
- عدم نشر وسائل الانتحار أو المكان أو طريقته بالتفصيل.
- التركيز على أرقام الدعم والخدمات المتاحة.
- إبراز قصص الصمود والأمل لا التعظيم من صور الانتحار.
- نشر رسائل الوقاية والإرشاد فى كل تغطية تتناول مثل هذه القضايا.
وفى المقابل، يمكن للإعلام أن يكون قوةً إيجابية فى هذا الملف عبر:
- برامج توعوية مستمرة تُعرّف المجتمع بدوائر الدعم المتاحة.
- إبراز قصص نجاح لنساء تجاوزن أزماتهن بفضل دعم مؤسسى فعّال.
- محاسبة المتهربين من النفقة عبر التحقيقات الاستقصائية، مما يجعل الفضاء الإعلامى رادعاً اجتماعياً.
التوجيه الرئاسى بتسريع تقديم حزمة قوانين الأسرة إلى مجلس النواب، والمصحوب بقرار وزير العدل بتعليق الخدمات على المتهربين من النفقة، والمُدعوم بمنظومة المجلس القومى للمرأة، يُشكّل مجتمعاً بذرة تحوّل حقيقي. بيد أن البذرة لا تنمو دون رعاية تشريعية تُسرّع التطبيق، ورعاية اجتماعية تُكسر ثقافة الصمت، ورعاية دينية تُرسّخ حقوق المرأة من منطلق إيمانى لا رغماً عنه، ورعاية إعلامية تُضيء الطريق ولا تُعمى الأبصار بصور الموت.









