تحدثنا طويلاً عن النهضة الأوروبية، وكتبنا تفصيلاً عن النمور الآسيوية، وأعجبنا كثيراً بالتجربة اليابانية ومن بعدها الصينية.. لكننا غفلنا عما بين أيدينا وتحت أعيننا ولم نتكلم عن التجربة الدمياطية.
تقدم دمياط نموذجاً للتجارب الاقتصادية الناجحة، ترتفع فيها قيم العمل والإنتاج والإتقان التى تمثل مثلث النجاح لأى تجربة اقتصادية، والقانون الأعظم فى الاقتصاد يتحدد على ضوء الإنتاج والاستهلاك.. إذا تفوق الأول تحقق الربح والرواج، وإذا حدث العكس تفشى الكساد والإفلاس.. ولا مكان فى دمياط للكسالى والخاملين أو السائلين والمتسولين أو العاطلين والمتسكعين.
يقصدها الباحثون عن عمل من البلاد المجاورة للبحث عن عمل فى محلاتها وورشها ومعاملها ومصانعها ومصايفها.
دمياط باختصار خلية نحل بشرية.. عمل دائم وإنتاج غزير وإتقان وابتكار مهما كانت الظروف أو المتغيرات.
المواطن الدمياطى إذا امتلك مبلغاً من المال اشترى سيارة بجزء لا يتعدى 20٪ من المبلغ وتاجر بـ 80٪ منه، واستخدم سيارته فى خدمة تجارته أو صناعته، وربما انتظر حتى يشتريها من أرباحه.
قيل إن يهودياً حاول أن يختبر أهل المدينة قبل أن يستثمر أمواله بها، فأعطى قرشاً لطفل دمياطى وطلب منه أن يشترى له شيئاً واحداً يأكله ويتسلى به ويطعم حماره.. فاشترى له بطيخة ونصحه بأن يأكل قلبها ويتسلى بلبها ويعلف الحمار بقشرها.. وعاد الرجل الغريب من حيث أتي، والطفل الدمياطى يحمل فى شفرته الوراثية جينات الجد والعمل، تجده يبحث عن عمل حتى ولو كان والده من الأثرياء.
فى دمياط عشرات المصانع للأثاث وآلاف الورش تعمل فى نفس المجال ومثلها فى صناعة الحلوى وفى شتى المجالات.
كلمة «الدمياطي» تمثل علامة الجودة إذا وضعها صاحب مطعم أو محل.
ارتبطت دمياط مع بلاد الشام وتركيا واليونان بعلاقات تجارة قوية وصدرت لهذه الدول منتجاتها الشهيرة، خاصة الحرير الدمياطى «الكريشة» والفخار والأرز والأسماك المملحة، وبعد ذلك الأثاث والحلوى والجبن الدمياطى ومنتجات الألبان والجلود والفاكهة والخضرة، والآن تصدر إنتاجها لعدد كبير من الدول العربية والأوروبية والآسيوية.
حاولت الصين فى السنوات الأخيرة أن تفعل مع دمياط مثل ما فعلت مع دول العالم كله وتصدر الأثاث إلى بلد الأثاث.. لكن الثمن القليل تراجع أمام الجودة والفن والإتقان، خاصة بعد إنشاء الدولة مدينة أثاث فى دمياط، التى صارت قلعة للصناعة فى العالم يشار إليها بالبنان.
ردت دمياط الحملات الرومانية خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين وتعرضت لغزو الصليبيين خلال القرن الثالث عشر مرتين.. دخلها يوحنا بريين ملك إمارة بيت المقدس 1219/1221، وردها عنها الملك الكامل 1218/1228، والمرة الثانية خلال حملة لويس التاسع ملك فرنسا 1249/1250 التى انتصر فيها المصريون فى معركة المنصورة وأسر فيها لويس التاسع فى دار ابن لقمان رغم إطلاق سراحه مقابل فدية كبيرة وعادت الحملة الصليبية من حيث أتت.
كانت دمياط واحداً من أقاليم مديرية الدقهلية وأصبحت محافظة مستقلة 1955، وتضم مراكز دمياط وفارسكور وكفر سعد والزرقا، يضاف إليها مدينة ميناء دمياط الجديدة، بها فرع لجامعة المنصورة وآخر لجامعة الأزهر، وهذا يعنى أن دمياط بلاد العمل والعلم، أنجبت الأعلام فى شتى المجالات.
ومن أعلامها القدامي، أحمد الدمياطى الفقيه المعروف، ولد بدمياط وتعلم بالقاهرة وتوفى بالمدينة المنورة سنة 1705م، ومن مؤلفاته «منتهى الأمانى والمسرات فى علوم القراءات».
تحية لشعب دمياط فى عيدهم القومي، الذى اقترب 8 مايو ذكرى الانتصار على الحملة الصليبية ودعوة للاستفادة من التجربة الدمياطية وتذليل أى مشكلات قد تواجه هذه القلعة الصناعية الرائدة.









